تحت إشراف؛ د: نزهة الخلدي
من إنجاز الطلبة الباحثين
إكرام لشقار
أسية الفقير
أميمة لقلايعي
خديجة الفنان
فاطمة الزهراء العظيم
ليليا شيماء سمانة
مقدمة
لا يجادل أحد في كون الحياة الإنسانية في تطور مستمر ،ومنازعاتها هي الأخرى مستمرة و متنوعة ،مما تطرح مشاكل متعددة حول نوع المسؤولية الملائمة لحل النزاع .ذلك أن المسؤولية بوجه عام تتأرجح بين المسؤولية الجنائية و التأديبية والمدنية ،وربما مساءلة الفرد عنهما جميعا في واقعة واحدة أو قد يسأل عن إحداها فقط كما لو أثيرت مسؤولية الشخص مدنيا .
إن المسؤولية المدنية كانت و ما تزال و ستستمر على قمة الموضوعات القانونية الجديرة بالبحث فموضوعاتها ترجمة لواقع الحياة في منازعات و خصومات يومية بين الأفراد ،و أحكامها تمثل الحلول القانونية لتلك المنازعات و الخصومات لذلك أرست وجودها داخل المجتمع .ويقصد بالمسؤولية المدنية بوجه عام كل إخلال بالتزام يرتب تعويضا عن الضرر الناجم عنه ومقرر في ذمة المسؤول .
وتاريخيا لم تكن المسؤولية المدنية واضحة المعالم في القوانين القديمة ،حيت كان يسود الانتقام الجماعي أو الفردي ومبدأ الأخذ بالثأر ،ولذلك كانت المسؤولية المدنية كنظام قانوني للجزاء إذ ارتبطت في نشأتها التاريخية بفكرة العقوبة الجنائية ومع تطور الفكر القانوني بدأت قواعدها تتميز عن قواعد المسؤولية الجنائية. غير أن مبادئ الكنيسة لعبت دورا مهما في التمهيد لإقرار المبدأ العام للمسؤولية عن الخطأ الذي يسبب ضررا للغير كما وضعه الفقه الفرنسي في القرن السابع عشر.
والحديث عن المسؤولية المدنية في القانون المغربي يتجسد في الاخلال بالتزام ،فهي تنشأ بفعل ارتكاب خطأ يترتب عنه ضرر ووجود علاقة سببية بينهما .وقد يختلف نوع هذه المسؤولية باختلاف مصدر هذا الالتزام فإذا كان مصدره القانون تكون مسؤولية تقصيرية وهي التي تترتب على ما يحدثه الفرد من ضرر للغير بخطئه ،وإذا كان مصدره الإرادة فهي مسؤولية عقدية وهي التي تنشأ نتيجة الإخلال بما التزم به المتعاقدين ،فطبقا لمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" يتعين على المتعاقدين احترام مضمون الرابطة العقدية وأي إخلال بها إلا ويقتضي تحميل المسؤولية للطرف الذي تسبب في وقوع هذا الاخلال ،فالأصل هو التنفيذ العيني للالتزام متى كان ممكنا أما إذا لم يكن ممكنا فلم يبقى إلا الحكم بالفسخ مع التعويض لأن المدين مسؤول عن الأضرار التي يسببها للدائن نتيجة عدم الوفاء بالالتزامات الناتجة عن العقد.
كما هو معلوم فالمسؤولية المدنية تنقسم إلى مسؤولية عقدية وتقصيرية تترتبان معا عن إخلال بالتزام سابق ،فالمسؤولية العقدية تنجم عن إخلال أحد طرفي الالتزام وبالمقتضيات المتفق عليها بينما تقوم المسؤولية التقصيرية على الاخلال بالتزامات منصوص عليها قانونا ،و رغم وجود تقارب بين المسؤوليتين من زاوية الشروط الواجب توفرها إلا أن ثمة فوارق جوهرية بينهما كالأهلية إذ تقترن المسؤولية العقدية ببلوغ 18سنة كاملة دون وجود أي عارض من عوارض الأهلية ،أما المسؤولية التقصيرية فتكتفي معظم التشريعات بتوفرها أهلية التمييز فقط ـهذا ناهيك عن التضامن إذ لا يمكن تصور التضامن في المسؤولية العقدية إلا إذا اتجهت إرادة المتعاقدين صراحة وهذا على خلاف المسؤولية التقصيرية فإن التضامن فيها ثابت بحكم القانون في حالة تعدد المسؤولين بالإضافة إلى التعويض الذي ينحصر في الضرر المباشر المتوقع في المسؤولية العقدية عكس المسؤولية التقصيرية إذ يشمل كافة الأضرار المباشرة المتوقعة وغير المتوقعة ،كما أن دعوى المسؤولية العقدية تتقادم كمبدأ عام بمضي 15 سنة فيما عدا الاستثناءات الواردة عليها في نص خاص أما دعوى المسؤولية التقصيرية تتقادم بمضي 5سنوات من يوم العلم بالضر
على اعتبار المسؤولية المدنية أحد مقومات النظام القانوني والاجتماعي بشكل عام، والمسؤولية العقدية على وجه الخصوص فهي تحظى بأهمية قصوى في الدراسات القانونية سواء على المستوى العملي أو النظري و لا أدل على ذلك كثرة النقاشات الفقهية و القضائية بهذا الشأن
وبالنظر لأهمية النظام القانوني للمسؤولية العقدية حدى المشرع المغربي إلى تطوير القواعد المنظمة لهذه المسؤولية بهدف توفير الحماية الواجبة للمتعاقد المضرور ،تنظيم عام منصوص عليه في الأحكام العامة في ق.ل.ع وتنظيمات خاصة صادرة بموجب قوانين خاصة.
وعلى ضوء هذه الأهمية التي تحظى بها المسؤولية العقدية نتساءل : ما مدى توفق المشرع المغربي في تنظيم أحكام المسؤولية العقدية بشكل يوفر الحماية الازمة للأطراف المتعاقدة؟
للإجابة عن هذه الإشكالية المطروحة سنعتمد على منهج قانوني في التحليل مع الاستعانة بمنهج تحليلي وذلك وفق التصميم التالي:
المبحث الأول: نظام المسؤولية العقدية
المبحث الثاني: التطبيقات العملية للمسؤولية العقدية
المبحث الأول: نظام المسؤولية العقدية
بما أن الهدف من وراء إبرام العقد هو تنفيذ الالتزام سواء كان التزام ببذل عناية أو بتحقيق نتيجة ،و في حالة عدم تنفيذ هذا الالتزام و دون إثبات القوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو خطأ المدين ،فإن المسؤولية العقدية في هذه الحالة تنتج آثارها المتمثلة في تعويض كأهم أثر ( المطلب الثاني ) و لكي تنتج هذه الأثار يجب أن تكون مستجمعة لمستلزماتها الشكلية و الموضوعية (المطلب الأول).
المطلب الأول :مستلزمات تحقق المسؤولية العقدية
إذا كان الهدف من إبرام العقود هو تنفيذ مقتضياتها و بنودها بالطريقة المتفق عليها بين المتعاقدين أو بالطريقة المعتادة و المألوفة في نطاق التعامل ـ أي تنفيذ الالتزامات التعاقدية عينا وحسب الشروط المتفق عليها ، فإن هناك أكثر من سبب يحول دون حصول ذلك التنفيذ العيني تترتب عنه المسؤولية العقدية منها ما يرجع لإرادة وتماطل المتعاقدين(الفقرة الأولى) كما تتحقق المسؤولية العقدية في الحالة التي يخل فيها المتعاقد بالتزاماته تجاه الطرف الأخر كعدم تنفيذ الإلتزام أو التأخر في التنفيذ المحدد في العقد(الفقرةالتانية).
الفقرة الأولى:الشروط الشكلية لإثارة المسؤولية العقدية
لامجال لنهوض المسؤولية العقدية إلا بتوفر مجموعة من الشروط المثمتلة بالأساس في وجود عقد يربط بين الطرفين(أولا)؛وأن يكون العقد صحيحا(ثانيا)؛وأن يكون الضرر ناتجا عن إخلال بتنفيذ الإلتزامات العقدية(ثالثا).
أولا: وجود عقد يربط بين الطرفين
لكي تتحرك قواعد المسؤولية العقدية ؛يتعين أن تكون هناك رابطة عقدية بين المتضرر والمسؤول عن الضرر ؛فإذا لم تكن بينهما هذه الرابطة؛ فلا يمكن مساءلة هذا الأخير عن الأضرار التي يصاب بها الأول وفقا لقواعد المسؤولية العقدية. وتطبيقا لذلك لا يجوز للراكب بالمجان الرجوع على منتج السيارة؛ لمطالبته بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به من جراء وقوع حادث بسبب وجود عيب خفي في صناعة السيارة؛ وفقا لقواعد المسؤولية العقدية، المؤسسة على ضمان العيوب الخفية ،لأن النقل بالمجان لا تتوفر فيه حسب أغلب الفقه الخصائص العقدية مما يحول دون تحرك قواعد المسؤولية العقدية؛ مالم يكن هناك نص تشريعي يقر ذلك. أما فيما يخص المرحلة السابقة لإبرام العقد أي مرحلة المفاوضات لا نكون أمام إخلال تعاقدي مادام العقد لم يبرم. وتوضيحا لما تقدم يرى بعض الفقه بأن التزامات المتفاوض فيها هي التزامات مستقلة عن العقد المزمع إبرامه مما يجعلها التزامات غير عقدية ،ويرى اتجاه آخر بأن المفاوضات تكون ذات طبيعة عقدية وإن كان يجب الوفاء بالإلتزامات الناشئة عن التفاوض في المرحلة السابقة عن إبرام العقد أو أثناء إبرامه لأن هناك تصرف قانوني ينشأ بين المتفاوضين و يعد هو مصدر الإلتزامات الناشئة بينهم ،و عليه أكد الإتجاه الفقهي الأخير أن المسؤولية السابقة على التعاقد هي مسؤولية عقدية خصوصا في الحالات التي يثبت إلحاق الضرر بأحد المتعاقدين ، إذا يمكن لكل طرف أن يتراجع عن إبرام العقد دون أن يكون مسؤولا مسؤولية عقدية لكون العقد لم ينعقد ،فالمتفاوض لا يمكن اعتباره طرفا في العقد، مما يحول دون مطالبته بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به جراء عملية التفاوض وفقا لقواعد المسؤولية العقدية غير أنه يمكن أن يسأل مسؤولية تقصيرية إذا تحققت شروطها.
أما فيما يتعلق بالمرحلة اللاحقة لانتهاء العقد إن المسؤولية العقدية هنا تنشأ عن العقد وليس بمانع أن تستمر عقب انقضائه أي في الفترة التي تلي انتهاء العقد خصوصا لو تضمن نبذا يسمح بامتداد آثاره لبعض الوقت من انقضائه (مثل بيع الأصل التجاري الذي يلزم فيه البائع بأن لا يفتح محلا مماثلا بجواره لمدة معينة) فالمسؤولية تترتب في هذه الحالة على إخلال بهذا الشرط بعد انتهاء عقد البيع فيكون أساسها المسؤولية التعاقدية. وإذا لم يكن هناك أي شرط من هذا القبيل فإن أي مسؤولية تترتب بعد انتهاء هذا العقد لا تترتب عليها إلا قواعد المسؤولية التقصيرية.
ثانيا: أن يكون هذا العقد صحيحا
لا يمكن تصور قيام المسؤولية العقدية إلا بوجود عقد صحيح بين الأطراف المتعاقدة ؛ أما إذا كان العقد باطلا لاستحالة محله أو مخالفته للنظام العام أو لعدم مشروعية السبب أو لتخلف ركن الأهلية فلا مجال لقيام المسؤولية العقدية ؛فيمكن للمتضرر اللجوء إلى المطالبة بالتعويض في إطار المسؤولية التقصيرية . فالعقد الباطل كما هو معروف عقد منعدم من حيت الأصل وإذا كان عقدا منعدما فما مدى صحة تسميته بالعقد ؟ وإذا اعتبرناه عقدا فما هي آثاره القانونية ؟وبذلك إن بطلان العقد لتخلف أحد أركانه أو شروطه لا يمنع من أن ينتج آثارا في نواحي أخرى لذلك إن أساس التعويض هو خطأ المتعاقد الذي يتضرر من عدم إعلام المتعاقد معه بهذا البطلان وهو الإخلال المتعلق بعقد أبرم ضمانا بين المتعاقدين يتعهد كل من جانبه بضمان ما قد يسببه من بطلان مما يوجب تقرير هذا الأثر إلى رجوعه بالتعويض على من وقع في حالة بطلان العقد. ثالثا: أن يكون الضرر ناتجا عن الإخلال بتنفيذ العقد
لتطبيق قواعد المسؤولية العقدية يتعين أيضا أن يكون الضرر الذي لحق أحد المتعاقدين راجع إلى إخلال المتعاقد الأخر بالالتزامات التي أنشأها العقد سواء تعلق الأمر بعدم التنفيذ الكلي أو الجزئي للالتزام أو بالتأخر في تنفيذه .
وبناءا عليه إذا امتنع أو تأخر أحد طرفي العقد عن تنفيذ التزامه كليا أو جزئيا من غير سبب مقبول يكون في حالة مطل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشأ للالتزام فإن لم يعين الالتزام أجلا لم يعتبر المدين في حالة مطل إلا بعد أن يوجه إليه أو إلى نائبه القانوني إنذار صريح بالوفاء بالدين و لا يكون الإنذار من الدائن واجبا إذا رفض المدين صراحة تنفيذ التزامه أو أصبح التنفيذ مستحيلا .متى ثبت ذلك إلا و حق المطالبة بالتعويض عن الضرر و هو يشمل ما يلحق المتعاقد المتضرر من خسارة
حقيقية و ما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام المتضمن في العقد.
الفقرة: الثانية الشروط الموضوعية للمسؤولية العقدية
تعتبر المسؤولية العقدية مسؤولية مدنية إلى جانب المسؤولية التقصيرية و المسؤوليتان معا تتحدان من حيت العناصر الواجبة لقيامها ؛ وعليه فإن شروط تحقق المسؤولية العقدية هي نفسها شروط تحقق المسؤولية التقصيرية و تتجلى فيما يلي :الخطأـ الضرر ـالعلاقة السببية بين الخطأ و الضرر
أولا: الخطأ العقدي و صوره
مادام العقد هو نتاج توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني .فإن كل طرف فيه ملزم بتنفيذ ما ترتب عنه من التزامات ،ولذلك إذا امتنع أحد الطرفين عن تنفيذ التزامه تحقق الخطأ العقدي في ذمة المدين و يستوي في ذلك أن يكون عدم التنفيذ عمديا أو عن إهمال و تقصير ، وبالتالي فالخطأ العقدي لا يقتصر فقط على حالة الامتناع عن التنفيذ بل يشمل حالات أخرى كالتأخر في التنفيذ أو التنفيذ المعيب
بالرجوع إلى نص الفصل 263من ق.ل.ع ينص على أنه "يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام وإما بسبب التأخير في الوفاء به وذلك و لو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين "؛و يتبين من ذلك أن الخطأ العقدي يؤخذ بمعناه الواسع فهو يشمل أي قدر من الإخلال بتنفيذ العقد الذي ارتضاه المدين ؛فقد يتجسد الإخلال في رفض أحد العاقدين كليا أو جزئيا تنفيذ التزاماته التي وافق عليها أو التأخير في التنفيذ أو التنفيذ في غير المكان المتفق عليه؛ وإذا كان المشرع المغربي قد اقتصر في الفصل 263ق.ل.ع على ذكر هذين المظهرين للإخلال بالالتزام إلا أن ذلك لا يعني أن تحديده كان واردا على سبيل الحصر ؛بدليل أن هناك الكثير من الأشكال الأخرى التي يتحقق فيها الخطأ العقدي من ذلك مثلا حالة تسليم البائع شيئا معيبا و هو يعلم مسبقا بوجود هذا العيب ؛من ذلك أيضا حالة الشخص الذي يبيع العقار مع علمه أن العقار مهددة بالمصادرة لأجل المصلحة العامة ؛و قد يتمثل الإخلال بالالتزام في كتمان الحقيقة و عدم إسداء النصيحة للمتعاقد معه خصوصا عندما يتعلق الأمر بالعقود التي تكون على جانب من الأهمية ؛أو التي يكون أحج أطرافها مستهلكا عاديا ممن ليست لديه دراية بشؤون الحرفة محل التعاقد .
وهذا فالخطأ العقدي له عدة صور و مظاهر تختلف باختلاف نوعية الإخلال و بذلك فقد يتجسد في حالتين وهما عدم تنفيذ الالتزام و حالة تأخر المدين في تنفيذ الالتزام .
1ـ عدم تنفيذ الالتزام:
يتحدد الخطأ العقدي في هذه الحالة من خلال نوعية الالتزام الملقى على عاتق المدين و الذي قد يكون التزاما بتحقيق نتيجة أو قد يكون التزام ببذل عناية.
إذا كان الأمر يتعلق بالتزام بتحقيق نتيجة فالمدين يعتبر مسؤولا بمجرد عدم تحقيق النتيجة المرجوة ؛ومن أجل التحلل من هذه المسؤولية يجب عليه أن يثبت أن عدم التنفيذ راجع إلى سبب أجنبي أو القوة القاهرة ومن هنا يتضح لنا أن عبئ إثبات الخطأ العقدي في هذه الحالة يقع على المدين .
وفي مقام آخر نجد الالتزام ببذل عناية و الذي يكون محله ليس تحقيق نتيجة معينة بل بذل الجهد الكافي و العناية اللازمة لتحقيقها و من هنا فإن الخطأ العقدي في هذا النوع من الالتزامات لا يقوم على عدم تحقيق الغاية من الالتزام وإنما يتحقق بعدم بذل العناية الكافية ،ومن ذلك مثلا الطبيب الذي ينحصر مضمون التزامه في تجنيد مجهوداته العلمية و خبرته لإشفاء المريض دون أن يضمن تحقيق هذا الهدف.
2ـ التأخر في التنفيذ: يعتبر التأخر في التنفيذ خطأ عقديا عندما يلحق ضررا بالمتعاقد الأخر وهذا ما ينص عليه الفصل 255 من ق.ل.ع "يصبح المدين في حالة مطل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للالتزام فإن لم يعين الالتزام أجل لم يعتبر المدين في حالة مطل إلا بعد أن يوجه إليه أو إلى نائبه القانوني إنذار صريح بوفاء الدين". وهذا التأخير قد يلحق موضوع الالتزام كله أو جزءا منه فقط كما لو شرع الصانع في صناعة مصنوع و توقف عن إتمامه ؛غير أنه يشترط أن يكون التأخر في التنفيذ جليا و مؤثرا يتجاوز ما يسمح به العرف أو ما يتسامح به عادة .
و يجب الإشارة في الأخير إلى أنه فيما يخص إثبات الخطأ العقدي فإنه يختلف باختلاف موضوع الالتزام بحسب ما إذا كان التزام بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية كما سبقت الإشارة إلى ذلك ؛فعندما يتعلق الأمر بالالتزام بتحقيق نتيجة معينة كتلك الملقاة على عاتق الناقل مثلا ؛فإن هذا الأخير يكون قد أخل بالتزاماته العقدية إذا لم تتحقق الغاية التي تعاقد الزبون من أجلها وهي إيصاله إلى المكان المتفق عليه سالما؛ فالمسؤولية قائمة على افتراض الخطأ في جانب الناقل و لا يتحلل منها إلا بإثبات السبب الأجنبي كالقوة القاهرة أو الخطأ المضرور ؛ فعبئ الإثبات في هذا النوع من الالتزامات يقع على عاتق المدين .أما الطرف الدائن فعليه أن يحدد نوع الضرر الذي لحق به أو أن يبرهن وجود عقد صحيح ؛كما أن الدائن يجب عليه أن يثبت التقصير و الإهمال في جانب الملتزم و يستعمل في ذلك كافة وسائل الإثبات .
3: المسؤولية العقدية عن فعل الغير
وهي تلك المسؤولية التي يتحملها المدين نتيجة الإخلال بالعقد من طرف الأشخاص الذين يرتبطون به بمقتضى علاقات قانونية تستوجب حلوله محلهم فيتحمل تبعات أخطاءهم متى كانت متصلة بتنفيذ العقد. و ينبغي الإشارة على أن هذه المسؤولية تنحصر في الحالات التي يكون فيها الغير مكلفا بصفة قانونية أو بالاتفاق بتنفيذ الالتزامات المدين؛ فمن أهم مظاهر المسؤولية عن فعل الغير نجد عقد الكراء من الباطن حيت نكون أمام عقدين الأول أصلي والتاني فرعي أو من الباطن إذ أن تلك الأفعال المرتكبة من قبل المكتري الفرعي يتحملها المكتري الأصلي و ذلك طبقا للفصل 670 من ق.ل.ع.
تانيا:الضرر
يعد الضرر العمود الفقري للمسؤولية المدنية تقصيرية كانت أم عقدية إذ بانعدام هذا الركن تنعدم المسؤولية وذلك تطبيقا للقاعدة الفقهية القائلة "لا مسؤولية بدون ضرر ".
1ـ ماهية الضرر و أنواعه:
عرف المشرع المغربي الضرر بمقتضى الفصل 264 من ق.ل.ع على أنه "هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية و ما فاته من كسب متى كان ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام وتقدير الظروف الخاصة بكل حالة موكول لفطنة المحكمة ؛التي يجب عليها أن تقدر التعويضات بكيفية مختلفة حسب خطأ المدين و تدليسه .." ومن هنا فإن الضرر نوعان قد يكون ضررا ماديا أو ضررا معنويا
فالضرر المادي هو الذي يصيب الدائن في ماله أو في سلامته الجسدية و يشمل أيضا ضياع فرصة أو خدمة و مقابل الفصل 264 من ق.ل.ع تأتي المادة 1149من القانون المدني الفرنسي التي تنص "أن الضرر لا يقتصر فقط على الخسارة الحاصلة ؛وإنما أيضا من أجل الربح الضائع نتيجة لعدم تنفيذ الالتزام ". ومثال ذلك المسافر الذي يصاب في جسمه أثناء النقل و هنا يكون الضرر جسدي
أما فيما يخص الضرر المعنوي وهو الذي يصيب الشخص في شرفه أو عاطفته أو كرامته ؛كمن يفقد والديه إثر حادثة سير مما يتسبب في إدخاله في حالة حزن و كآبة وهذا ما يترتب عنه ضرر معنوي كبير ؛لكن ما يلاحظ أن الدائن لا يطالب بالضرر المعنوي إلا في حالات قليلة مقارنة بالضرر المادي إذ أن إشكالية التعويض عن الضرر المعنوي أثارت نقاشا حادا على مستوى الفقه و القضاء .
2ـ الشروط العامة للضرر
لكي يقوم ركن الضرر ينبغي استجماعه لمجموعة من الشروط والتي تتمثل بالأساس في ضرورة أن يكون الضرر شخصيا ؛ومحقق الوقوع ؛و مباشرا و مشروعا ؛وأن يكون متوقعا .
ويقصد بالضرر الشخصي حسب الفصل 264 من ق.ل.ع الذي جاء فيه "الضرر هو ما يلحق الدائن من خسارة حقيقية و ما فاته من كسب .." و يتبين من ذلك أن التعويض عن الضرر الناتج عن
الإخلال العقدي ينحصر فقط في الشخص الدائن باعتباره المتضرر المباشر نتيجة لعدم تنفيد المدين لالتزاماته و السند في ذلك قاعدة "لا دعوى بدون مصلحة" .وعلاوة على ذلك يتعين أن يكون الضرر مباشرا وهذا ما يتحقق بالنسبة للأضرار التي ترتبط بالخطأ العقدي ؛أما فيما يخص الأضرار الغير المباشرة فإن الإجماع حاصل في ميدان الفقه و القضاء على عدم جواز استحقاق التعويض عنها .
كما يجب أن يكون الضرر محقق الوقوع أي أن يكون قد وقع فعلا أو وقعت أسبابه أما الضرر المحتمل حتى و لو كان احتماله قويا لعدم وجود ما يقطع بحصوله مستقبلا مثال ذلك أن يحدث للمكتري بالمحل خللا يخشى معه أن يتهدم العقار ؛فالخلل ضرر حال لكن تهدم العين المكتراة ضرر محتمل. وأخيرا يجب أن يكون الضرر متوقعا عند إبرام العقد حيت أنهه لا مجال للمسؤولية العقدية دون أن يكون الضرر متوقعا ؛حيت لا يسأل الدائن عن تعويض الضرر الغير المتوقع إلا إذا كان هذا الأخير ناتجا عن تدليسه أو خطأ جسيم. و من هنا يتضح لنا أن المبدأ العام يتجسد في عدم قيام المسؤولية العقدية إلا إذا كان الضرر متوقعا لكن ترد عليه استثناءات إذا كان عدم توقع الضرر ناتج عن تدليس أو خطأ جسيم مرتكب من طرف الدائن .
ثالتا: العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر
لكي تقوم المسؤولية العقدية لا بد من وجود رابطة سببية بين الخطأ والضرر إذ أنه لا يعتبر المدين مسؤولا في مواجهة الدائن بمجرد ارتكابه خطأ عقديا تترتب عنه الضرر و إنما يجب بالإضافة إلى ذلك أن يكون الضرر الحاصل نتيجة الخطأ العقدي .
و من هنا يتضح لنا أن العلاقة السببية هي الركن الثالث في المسؤولية العقدية ؛كما هو الشأن في المسؤولية التقصيرية حيث أنه إذا ارتكب المدين خطأ و حصل الضرر دون أن يكون ذلك الخطأ هو السبب في الضرر ففي هذه الحالة تنتفي العلاقة السببية و تنتفي معها المسؤولية العقدية؛ ومن تم فإذا كان المقاول من الباطن قد اعتدى أثناء قيامه بعملية البناء على رب العمل ؛ فلا يمكن لهذا الأخير الرجوع على الأول عن هذه الأضرار ؛وفقا لدعوى المسؤولية العقدية إلا أنها لم تلحق به باعتباره دائنا بموجب العقد بل باعتباره شخصا من الغير مما يحول دون المطالبة بالتعويض عنها بمقتضى قواعد المسؤولية العقدية ؛ ولا يكون أمامه سوى الرجوع لقواعد المسؤولية التقصيرية متى توافرت شروطها .
و في الأحوال العادية للمسؤولية العقدية فإن عبئ الإثبات يقع على عاتق الدائن الذي يطالب المدين بالتعويض عن الأضرار المترتبة عن الإخلال بالعقد ؛إلا أن الوضع على خلاف ذلك عندما يتعلق الأمر بحالات خاصة لهذه المسؤولية خصوصا تلك التي تقوم على افتراض المسؤولية في جانب المدين كالمسؤولية الملقاة على عاتق الناقل البري إذ أن الدائن المطالب بالتعويض في هذا النوع من المسؤوليات التي تقوم على أساس تحقيق نتيجة معينة لا يلزم إلا بإثبات الضرر العقدي أما الخطأ فلا يلزم بإثباته لأن المسؤولية قائمة على افتراض خطأ في جانب المدين ؛إذ أراد التحلل من الضمان والمسؤولية فعليه أن يثبت أن الضرر كان نتيجة للفعل الأجنبي.
المطلب الثاني: التنظيم الإتفاقي للمسؤولية وآثارها
يتمثل الأثر الأساسي الناتج عن تحقق عناصر المسؤولية العقدية في تحصيل الدائن للتعويض، الذي يتدخل المشرع لتحديد شكله ومضمونه كقاعدة عامة ( الفقرة الأولى)، غير أن أطراف العقد يمكنهم تعديله إما بالإتفاق على الإعفاء أو التخفيف وكذلك التشديد من المسؤولية ( الفقرة الثانية)
الفقرة الأولى: آثار المسؤولية العقدية
يقوم العقد المنشأ على وجه صحيح مقام القانون بالنسبة لمنشئيه . ومعنى هذا أن أطراف العلاقة التعاقدية ملزمون بتنفيذ محله وفق المتفق عليه تحت طائلة التعويض المستحق لكل متضرر من جراء عدم التنفيذ، وهو ما يحيلنا على ما يسمى بالمسؤولية العقدية المستوفية لأركانها وشروطها ( الخطأ- الضرر- العلاقة السببية..) والتي تجد تجسيدا لها في الدعوى القضائية التي يلجأ إليها الشخص لمطالبة آخر بالوفاء له بحق توافرت شروطه القانونية خلال الأجل القانوني لذلك( أولا)، ثم الحكم المترتب عن هذه الدعوى باعتباره أهم أثر لقيام المسؤولية العقدية ( ثانيا) والذي لا يمكن أن يخرج عن الحكم بالتعويض لصالح الطرف المتضرر.
أولا: الدعوى القضائية في المسؤولية العقدية
إن قيام المسؤولية العقدية التي تترتب عن الإخلال بالعقد من قبل أحد طرفيه والذي يسبب ضررا للطرف الآخر بالشكل الذي يضمن العلاقة السببية بينهما يعطي الحق والصفة للطرف المضرور من أجل الحصول على التعويض والذي لا يمكن تصوره بشكل رضائي
إلا في حالات قليلة- حالة الإتفاقات المعدلة للمسؤولية- على أن الأصل هو توجه المضرور لطرق باب القضاء والمطالبة بما يستحقه من جراء هذا الإخلال وهو الأمر الذي يستدعي الوقوف على مسألة الإختصاص في دعاوى المسؤولية العقدية وأطرافها (أ) ثم عن التقادم الذي يفترض احترامه من قبل الأطراف للقول بصحة الدعوى (ب).
أ- الإختصاص في المسؤولية العقدية وأطرافها:
نميز في الإختصاص للنظر في الدعوى بين كل من الإختصاص النوعي، المكاني، القيمي؛ فالإختصاص النوعي هو الذي يمنح للمحكمة النظر في النزاع استنادا إلى نوعه ، ومن ثم تختص بالنظر في دعاوى المسؤولية المدنية بصفة عامة والعقدية بصفة خاصة المحكمة الإبتدائية إلى غاية عشرين ألف درهم وابتدائيا مع حفظ حق الإستئناف أمام المحاكم الإستئنافية في جميع الطلبات التي تفوق هذا النصاب أو يكون موضوعها تعويض غير محدد القيمة، وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كان المبلغ الذي يطالب به المضرور يقل عن خمسة آلاف درهم فإن الدعوى تقام لدى قضاء القرب ، أما عن الإختصاص المكاني فهو الذي يعطي للمحكمة صلاحية الفصل في الدعوى بناء على أساس جغرافي وهنا يكون المضرور ملزما برفع الدعوى أمام محكمة المدعى عليه ما لم يتم الإتفاق على خلاف ذلك.
ولكي تكون الدعوى مقبولة يجب أن تباشر بواسطة المدعي وفي مواجهة المدعى عليه، بحيث أن القضية تتطلب وجود حق اعتدي عليه فيتقدم من له الصفة أي من له سلطة المطالبة بحماية هذا الحق المعتدى عليه من أجل مباشرة الدعوى القضائية. والمدعي في دعوى المسؤولية هو المضرور شخصيا أو نائبه الشرعي ( الولي- الوصي- المقدم) متى فقد أهليته أو أصيبت بما ينقصها ، وإذا توفي المضرور فإن حقه في التعويض ينتقل إلى ورثته. أّما الطرف الثاني فهو المدعى عليه الذي تباشر الدعوى ضده ، أي الطرف الذي تعهد بالوفاء بالإلتزام محل العقد القائم ثم أخلف به.
وتجدر الإشارة في متم هذا الجزء الخاص بالإختصاص المنعقد للمحاكم وأطراف الدعوى أن المطالبة بالتعويض في إطار دعوى المسؤولية العقدية يتوقف مبدئيا على إثبات خطأ المدعى عليه أثناء تنفيذه الإلتزام، أي إخلال المدين بالتزامه التعاقدي والمتمثل إما في عدم الوفاء أو التأخر فيه، أو في حالة التنفيذ المعيب .
ب- التقادم المسقط لدعوى المسؤولية العقدية
إن دعوى المسؤولية العقدية تخضع في تقادمها كأصل عام لأحكام الفصل 387 من قانون الالتزامات والعقود الذي نص على أن " كل الدعاوى الناشئة عن الإلتزام تتقادم بخمس عشر سنة فيما عدا الإستئناءات الواردة فيما بعد والإستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة"
وبناءا عليه فإن التقادم يبتدأ من يوم وقوع الإخلال بالإلتزام الملقى على عاتق المدين والذي تسبب به في إلحاق الضرر بالمتضرر، على خلاف ما تضمنته القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية التي تقضي بسقوط دعواه بمضي خمس سنوات ابتداء من وقت العلم بالضرر وإذا لم يكن هناك علم بالضرر فتتقادم بمرور عشرين سنة، فالتقادم بصفة عامة معناه مرور مدة معينة قانونيا على الإخلال المتسبب في الضرر وتطبيقا لنفس الفصل المذكور فإن دعوى المتضرر ضد الناقل مثلا تتقادم بمرور خمسة عشر سنة لعدم وجود نص خاص بشأن بداية سريان التقادم في عقد نقل الأشخاص ، إذ نخلص إلى أن دعوى المتضرر ضد الناقل تخضع لأحكام الفصل 387 من قانون الإلتزامات والعقود لا لأحكام الفصل 106 من نفس القانون .
وباعتبار ما ذكر أعلاه هو الأصل أو القاعدة بخصوص التقادم في المسؤولية العقدية، فإن لكل أصل عام استثناء، ويتمثل في هذه الحالة على سبيل المثال فيما يخص عقد النقل الجوي حيث ينص الفصل 220 من المرسوم المنظم للطيران المدني الصادر سنة 1962 على أن الأجل سنتنان تبتدأ من اليوم الذي وصلت فيه الطائرة أو الذي كان يجب أن تصل فيه إلى المكان المحدد لها. أو في النقل البحري فالدعاوى الناتجة عن عقد كراء سفينة تنقضي بمرور سنة واحدة حسب ما جاء في الفصل 223 من القانون البحري.
كما قد يكون أجل التقادم محددا في سنتين عندما يتعلق الأمر بدعوى الأطباء والجراحين والمولدين وأطباء الأسنان والبياطرة من أجل ما يقومون به من زيارات و يؤدونه من عمليات وكذلك من أجل ما يوردونه من أشياء ويقدمونه من نقود ابتداءا من تاريخ حصوله، وبدعوى الصيادلة من أجل الأدوية التي يوردونها ابتداءا من تاريخ توريدها وبدعوى المؤسسات الخاصة أو العامة المخصصة لعلاج الأمراض البدنية والعقلية أو لرعاية المرضى من أجل العلاج المقدم منها لمرضاها والتوريدات والمصروفات الحاصلة منها لهم ابتداءا من تاريخ تقديم العلاج أو تقديم توريدات....
ثانيا: الحكم بالتعويض في المسؤولية العقدية
يعتبر التعويض جزاء المسؤولية المدنية سواء التقصيرية أو العقدية التي تعتبر موضوع دراستنا، أي بمجرد تحقق أركانها من خطأ وضرر وعلاقة سببية كان للمتضرر الحق في الحصول على التعويض.
وفي ظل غياب أي تعريف تشريعي للتعويض فإن الفقه خلص للعديد من التعريفات، التي تسير في مجملها في نفس المنحى ولعل من بينها، ذلك الذي اعتبره بأنه " المقابل الذي يلتزم شخص بدفعه للمصاب جبرا للضرر الحاصل له نتيجة للإخلال بالتزام ما" . والتعويض كأهم أثر يترتب على قيام المسؤولية العقدية تختلف طرق أدائه بحسب المرحلة التي وصل إليها الإلتزام (أ)، كما أن أمر تقديره يعود للسلطة التقديرية للمحكمة ( ب)
أ- طرق أداء التعويض:
إن التعويض في المسؤولية العقدية كأصل يكون عينيا بمعنى الإجبار على تنفيذ الإلتزام الذي هو محل العقد من طرف المدين، كرفض المكتري أداء السومة الكرائية أو تأخره في الأداء ، مادام ذلك ممكنا ، ويقصد بالتعويض العيني إٍرجاع الحالة إلى ما كانت عليه قبل إقدام المدعى عليه على إتيان السلوك الخاطئ الذي تسبب في إلحاق الضرر بالمدعي، فهذا النوع من التعويض لا يقتصر على جبر الضرر أو التخفيض من حدته بمنح المضرور مبلغا من المال، بل يذهب إلى أكثر من هذا فيمحوا الضرر ويزيل آثاره، ويتعين على القاضي أن يقضي بالضمان العيني إذا كان ممكنا وطالب به الدائن وللإشارة فقط فالتعويض العيني كأثر لا يمكن تصوره في المسؤولية التقصيرية إلا في فروض قليلة ونادرة وهي الحالات التي يتخذ فيها الإخلال بالتزام قانوني صورة القيام بعمل يمكن إزالته ومحو آثاره، كما إذا بنى شخص حائطا في ملكه حجب الضوء والهواء عن جاره فتحكم المحكمة بالتعويض العيني لفائدة المدعي بإلزام المدعى عليه بهدم الحائط وإزالة آثاره .
أما في الحالة التي يصبح فيها العقد غير ممكن تنفيذه يجوز أنذاك للدائن المطالبة بالفسخ ثم التعويض النقدي. هذا الأخير يتمثل غالبا في مبلغ من النقود يحكم به القاضي جبرا للضرر الحاصل للطرف المتضرر.
وحري بالتمييز في هذا الصدد بين الكيفية التي يصبح فيها المدين مماطلا- وبالتالي نشوء الحق في رفع دعوى المسؤولية العقدية- بحسب ما إذا كان الإلتزام بأجل معين إذ يعتبر في حالة مطل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للإلتزام وفي هذا السياق نشير إلى قرار محكمة النقض "لما كان عقد البيع يوجب أداء بقية الثمن في أجل معين فإن المشتري يصبح في حالة مطل بمجرد حلول ذلك الأجل من غير ضرورة إنذاره بذلك وعند ذلك يكون للبائع الخيار أن يطلب إجباره على التنفيذ العيني متى كان ممكنا أو أن يطلب الفسخ، أما إذا أصبح التنفيذ غير ممكن فلا يبقى له إلا طلب الفسخ" .
أما إذا كان الإلتزام بدون أجل لا يعتبر المدين في حالة مطل إلا بعد أن يوجه إليه أو نائبه القانوني إنذار صريح بوفاء الدين ، وهذا نفس ما ورد في مجلة الإلتزامات والعقود التونسية ، ويثار تساءل حول متى يبتدأ المطل هل من يوم الإنذار الموجه للمدين؟ أم يبتدأ بنهاية المدة المعقولة؟
أجاب عن هذا التساءل محمد زين في تحليله لأحكام الفصل 269 من مجلة الإلتزامات والعقود التونسية، التي بتحديدها لمضمون السؤال الواجب توجيهه إلى المدين على النحو الذي سبق تجعل منه إجراء قانوني يهدف إلى تعيين أجل للإلتزام كان في الأصل بدون أجل، فلا يمكن إذن تصور أي تأخر أو مماطلة في الوفاء إلى بمضي ذلك الأجل.
ب- سلطة قاضي الموضوع في تقدير التعويض المدني
بالرجوع للمقتضيات القانونية الواردة في ظهير الإلتزامات والعقود نجد كل من الفصل 98 المتعلق بالمسؤولية التقصيرية، والفصل 264 المتعلق بالمسؤولية العقدية يستشف منهما ترك مسألة تحديد مقدار التعويض للقاضي في إطار سلطته التقديرية - لأن طبيعة الضرر يختلف بحسب الحالات- دون رقابة عليهم من طرف محكمة النقض ، وأن لقاضي الموضوع في حدود طلب المدعي سلطة مطلقة في تحديد مقدار التعويض وهذا ما سار عليه أحد الباحثين حيث أكد على أن للقاضي سلطة تقديرية في تعيين مبلغ التعويض الواجب منحه للمتضرر دون أن يكون ملزما ببيان الأساس القانوني المعتمد لإجراء هذا التقدير، معززا بذلك موقفه بالعديد من القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى والتي جاء في إحداها " لمحكمة الموضوع سلطة تقديرية مطلقة لتعيين مبلغ التعويض المحكوم به للمتضرر وليس عليها أن تعلل هذا المبلغ بأسباب خاصة" .
وفي هذا الصدد جاء قرار آخر للمجلس الأعلى " للمحكمة الحق المطلق في تحديد قدر التعويض دون أن تخضع إلى مراقبة المجلس الأعلى".
وفي نفس التوجه ذهبت كل من محكمة النقض المصرية ومحكمة التعقيب التونسية، ففي قرار لهذه الأخيرة صادر بتاريخ 28 أبريل 1966 جاء فيه مايلي " تقدير مبلغ التعويض موكول لاجتهاد قاضي الموضوع، ويكفي لتعليل قضاءه أن يستند إلى شدة الإصابة التي لحقت مدى الضرر" وبناء على كل ما سبق يتبين لنا على أن التوجه السائد على مستوى التشريعات الحديثة أو على مستوى العمل الوطني والمقارن هو ترك مسألة تحديد مقدار التعويض لقاضي الموضوع، يحكم هذا الأخير بما يراه مناسبا ومتساويا مع مقدار الضرر الحاصل للمتضرر تحقيقا في ذلك لما تقتضيه قواعد العدالة والإنصاف
وقد خلصنا إلى أن التعويض هو التزام فرضه المشرع كضمان لتنفيذ كل التزام مدني أي كان مصدره، وكذلك أن المشرع في تنصيصه لهذا الإلتزام لم يقم بتعيين معايير دقيقة وواضحة تحدد لنا مقداره وطبيعته ومداه إلا في حالات استثنائية وإنما ترك أمر تقديره في أغلب الحالات لسلطة المحكمة تباشره في إطار ولايتها العامة ويتضح ذلك من خلال الصياغة العامة للنصوص التشريعية المنظمة للتعويض.
الفقرة الثانية: التنظيم الإتفاقي للمسؤولية العقدية.
باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين ووليد إرادتهما المشتركة ، فإن المشرع منحهم تحديد التزاماتهما وكذا مسؤوليتهما عبر الاتفاق مسبقا أثناء التعاقد على تعديل أحكام المسؤولية العقدية كما نظمها المشرع سواء بالتشديد أو التخفيف منها أو حتى الإعفاء منها كليا فقط باستثناء الحالات التي نص المشرع فيها صراحة على عدم جواز ذلك لما فيها من مساس بالنظام العام.
أولا: مظاهر الاتفاق على تعديل الأحكام للمسؤولية.
القاعدة العامة في ميدان المسؤولية العقدية هي جواز الاتفاق على تعديل أحكام هذه المسؤولية، وتتخذ أكتر من مظهر قانوني، فقد تسير هذه الإتفاقات في إتجاه تشديد المسؤولية أو التخفيف منها لتصل في بعض الأحيان إلى الإعفاء منها نهائيا.
1- الاتفاقات المشددة للمسؤولية العقدية:
يقصد بالإتفاق على تشديد مسؤولية المدين بجعل هذه المسؤولية اقسى و أشد من تلك التي تقررها القواعد العامة ، حيث أن المبادئ العامة تجيزها وبالتالي ليس هناك ما يمنع المتعاقدين من الإتفاق على التشديد منها، وإن كانت هذه الإشتراطات المشددة لهذه المسؤولية في الميدان التطبيقي العملي، قليلة جدا مقارنة بتلك الشروط المخففة أو المعفية من المسؤولية نضرا لكون الضمان القانوني هو أقصى ما يمكن توفيره للدائن .
و من بين حالات التشديد من المسؤولية نجد الحالة التي يقوم بها المشتري بالإدراج في العقد شرطا يحمل البائع تبعة ضمان العيوب البسيطة و الظاهرة، وحالة اشتراط الدائن في العقد مسؤولية المدين عن تنفيد التزاماته حتى في حالة القوة القاهرة أو الحادث الفجائي وهو عكس ما تقضي به القواعد العامة و غيرها من الحالات .
و لعل أبرز صور شرط التشديد من المسؤولية العقدية يتمثل في الشرط الجزائي "التعويض الإتفاقي" إذ بموجبه يقرر المتعاقدان مسبقا التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفد المدين التزامه أو إذا تأخر في تنفيذه، فهو اتفاق على مبلغ محدد جزافا نظيرا لإخلال بالإلتزامات، يدفعه المدين في حالة تحقق مسؤوليته .
2- الإتفاقات المخففة أو المعفية من المسؤولية العقدية:
تستهدف هذه الشروط تضييق نطاق المسؤولية العقدية الواقعة على عاتق الطرف المدين الذي أخل بالتزامه أو استبعادها نهائيا، حيث يلاحظ في الواقع العملي شيوع مثل هذه الشروط رغم خطورتها البالغة.
و الإتفاق على تخفيف المسؤولية هو الإتفاق على تخفيض التعويض في مقدار الضرر الذي يصيب أحد المتعاقدين بسبب عدم تنفيذ المتعاقد الآخر للإلتزامات المتولدة عن العقد ، كأن يتم الإتفاق على حد أقصى للتعويض لا يمكن تجاوزه مهما كانت فداحة الضرر، أو الإتفاق على التزام المدين بتعويض نسبة معينة من الضرر دون الباقي، كالتزام المدين بقيمة محددة من الضرر كالنصف أو الثلث مثلا أو حصر التعويض في التعويض المادي دون الأدبي أو العكس و بالتالي هو لا يستبعد مسؤولية المدين كليا، إنما يقتصر دوره على تخفيض التعويض المادي و بالتالي لا يحرم الدائن سوى من جزء من التعويض.
و للإشارة ثمة عدة نصوص واردة في ق.ل.ع. تجيز تخفيف المسؤولية العقدية، و المثال على ذلك: الفصل 571 "لا يضمن البائع عيوب الشيء أو خلوه من الصفات المتطلبة فيه:.... ثانيا، إذا اشترط عدم مسؤوليته عن أي ضمان". كعقد البيع مثلا، قد يشترط البائع على المشتري عدم مسؤوليته على ما يظهر على الأرض المبيعة من حقوق ارتفاق خفية لا يعلم بها البائع.
و من نافلة القول، أن ما يدفع المتعاقد إلى قبول شرط التخفيف من المسؤولية هو أنه يستفيد هو الآخر من تخفيض المقابل الذي يلتزم به تجاه المتعاقد الآخر عند ابرام العقد لأن الشاحن مثلا يفضل التعامل مع شركات ذات تعريفة منخفضة رغم أن مسؤوليتها محدودة، و قد يعزف عن التعامل مع شركات ذات مسؤولية كاملة و تعريفتها مرتفعة .
أما عن الإعفاء من المسؤولية العقدية فهو أن يتنازل أحد الطرفين عما يستحقه من تعويض من قبل الآخر، إذا ما أصابه ضرر من جراء إخلال هذا الأخير بالتزام معين يكون مفروضا عليه، و مثال ذلك أن يتفق صاحب بضاعة مع الناقل -بعوض- على نقل بضاعة إلى مكان معين فيعفيه من مسؤولية عدم إيصال البضاعة إلى المكان المتفق عليه أو ضياعها. و نظم النشرع هذه الإتفاقات في الفصل 232 من ق.ل.ع. الذي يقضي بأنه:" لا يجوز أن يشترط مقدما عدم مسؤولية الشخص عن خطئه الجسيم و تدليسه" و عليه فمن خلال مفهوم المخالفة لهذا النص تتبين مشروعية شروط الإعفاء من المسؤولية العقدية في حدود الخطأ اليسير لا غير، سواء صدر عن المدين بنفسه أو عمن يستخدمهم في تنفيذ التزامه .
و لشروط الإعفاء من المسؤولية عيوب عديدة، فبالإضافة أنها تحرم الدائن من التعويض ، فإنها تهدد استقرار المعاملات. و نظرا لخطورة هذه الشروط فإن غالبية الفقه يربط صحتها بتوفر شرطين أولهما أن يكون الدائن على علم تام بمضمون الشرط، واذا تعاقد الدائن على مسؤوليته الخاصة فيتعين على المدين أن لا يكون عالما بالمخاطر التي جعلت الدائن يتعاقد على حسابه الخاص من غير ضمان و ثانيهما أن لا يكون لهذا الشرط المعفي نساس بالصحة العامة للمواطنين
ثانيا : الاستثناءات الواردة على مبدأ جواز الإتفاق على تعديل المسؤولية العقدية.
بالرغم من أن المبدأ العام يقضي بجواز تعديل أحكام المسؤولية العقدية في إطار مبدأ سلطان الإرادة إلا أن هناك حدود لهذه الإرادة وبالتالي لا يجوز الإتفاق على التعديل منها في بعض الحالات من بينها.
1- حالة التدليس و الخطأ الجسيم للطرف المدين.
ينص الفصل 232 من ق.ل.ع" لا يجوز أن يشترط مقدما عدم مسؤولية الشخص عن خطئه الجسيم وتدليسه" فالمشرع المغربي منع على المتعاقدين الإشتراط على عدم مسؤولية الشخص عن خطئه الجسيم و تدليسه لما في ذلك من مساس في النظام العام لأن القاعدة العامة في الإلتزام هو تنفيدها بحسن النية، و الشرط الذي يعفي المدين من التدليس والخطأ الجسيم الجسيم يكون بمثابة سوء النية.
ولذلك وجب معاملة المدين بنقيض قصده، وتبعا لذلك فإن المسؤولية الناتجة عن الخطأ العمدي أو الخطأ الجسيم لا يمكن الإعفاء منها نتيجة لشرط عدم الضمان، حيث يحتفظ الدائن بحق مطالبة المدين بأداء التعويضات رغم كل شرط مخالف .
وشرط الإعفاء من المسؤولية يقع باطلا إذا كان الغش أو الخطأ الجسيم في تنفيذ الالتزام صادرا من المدين شخصيا. أما إذا كان صادرا من أتباعه فإن الشرط يعتبر صحيحا.
2- حالة ارتباط شرط الإعفاء بسلامة وأمن الأفراد :
عندما يكون لشرط الإعفاء من المسؤولية له مساس بالصحة والسلامة العامة للمواطنين بما فيهم المتعاقدين فإن مصير هذا الشرط يكون هو البطلان ويسري هذا الحكم على كافة الشروط التي من شأنها إعفاء منتجي وصانعي المواد والبضائع المعدة للاستهلاك الآدمي من مسؤولية العقدية، كذلك شروط إعفاء المقاول وأيضا المهندس المعماري من ضمان سلامة البناء وذلك خلال عشرة سنوات التالية لإنجازه أو الإشراف على إنجازه
3- حالة ارتباط شرط الإعفاء بواجب حفض الأمانات والودائع:
يقضي هذا الإستثناء على المودع لديه المحافظة على الودائع والأمانات وأن يوليها نفس العناية التي يبدلها في حراسة أشيائه الخاصة، وأي تقصير في بدل هذه العناية إلا ويحمله نتائج المسؤولية المترتبة على ذلك و من تم فقد بادر المشرع هنا إلى إقرار بطلان شرط عدم الضمان المدرج في صلب العقد والذي يزيد من احتمال هذا التقصير و يدخل ضمن ذلك حالة إشتراط إعفاء الدائن من كل مسؤولية من الشيء المرهون، وكذلك الحال بالنسبة بأصحاب الفنادق و المقاهي والمحلات التي يأويها الأفراد كالحمامات والملاهي العمومية.
4 حالة ارتباط شرط الإعفاء بمسؤولية المهندس المعماري:
أقر المشرع المغربي في الفصل 769 من ق.ل.ع. مسؤولية المهندس المعماري و المقاول المكلفان مباشرة من رب العمل عن كل انهيار كلي أو جزئي للبناء أو هدده خطر واضح للإنهيار بسبب نقص المواد أو عيب في طريقة البناء أو عيب في الأرض وذلك خلال العشر سنوات التالية لإتمام البناء أو غيره من الأعمال التي نفذاها أو أشرفا على تنفيذها.
كما جاء في الفصل 772 من ق.ل.ع. أنه:" يبطل كل شرط موضوعه إنقاص أو إسقاك ضمان أجير الصنع لعيوب صنعه و على الأخص إذا كان قد أخفى عن قصد هذه العيوب أو كانت هذه العيوب ناشئة عن تفريطه الجسيم" و يتضح من هذا أن المشرع منع كل شرط اتفاقي من شأنه التخفيف أو الإعفاء من مسؤولية المهندس المعماري و المقاول عن المخاطر المشار إليها سابقا.
و لا يعتد بسوء نية المهندس المعماري أو المقاول كشرط لإقرار بطلان الشروط المعفية أو المخففة من المسؤولية، فحتى لو كانا هذبن الأخيرين حسني النية فهذه الشروط تكون باطلة، و ذلك لخطورة الآثار التي قد تنجم عن الانهيار.
المبحث الثاني: التطبيقات العملية للمسؤولية العقدية
بعد أن تم الحديث في المبحث الأول عن نظام المسؤلية العقدية ككل، كان لزاما منا تسليط الضوء على بعض أهم التطبيقات التي تتماشى مع طابع النظام العقدي لعل
أبرزها ما يتعلق بالمسؤولية العقدية عن حوادث السير ( المطلب الأول)، وإلى جانب ذلك يمكن الحديث عن مسؤولية أخرى لا تقل أهمية عن الأولى والمتمثلة في المسؤولية العقدية للمهندس المعماري ( المطلب الثاني).
المطلب الأول: الأساس العقدي للمسؤولية في حوادث السير
إن الحديث عن المسؤولية في حوادث السير حديث واسع ذو شجون لأنه يحتمل قيام المسؤوليتين العقدية والتقصيرية، وذلك بحسب طبيعة الخطأ المرتكب ونوع الضرر المترتب عنه وبصفة عامة حسب طبيعة الإلتزام ومصدره، لكن ما يهمنا في هذا السياق هو الوقوف على الخطأ المؤدي لقيام المسؤولية العقدية والذي لا يمكن تصوره إلا بوجود عقد للنقل مصدر هذا الإلتزام، ولعل الخصوصية التي تحظى بها المسؤولية موضوع الدراسة في حوادث السير هي التي دفعتنا أولا للوقوف على هذه الخصوصية ( الفقرة الأولى) على أن نخصص ( الفقرة الثانية ) تطبيقات المسؤولية في حوادث السير " عقد النقل نموذجا"
الفقرة الأولى: خصوصية المسؤولية العقدية في حوادث السير
يتعين لقيام المسؤولية العقدية في حوادث السير ضرورة وجود شروط دقيقة؛ يقوم على رأسها شرط توفر العقد أي مصدر الإلتزام الذي وقع الإخلال به ويرتبط الأمر هنا بعقد للنقل المنظم بموجب مدونة التجارة في الفصول من 443-586. وقد حظي بتعريف في الفصل 143 حيث اعتبر المشرع " عقد النقل اتفاق يتعهد بمقتضاه الناقل مقابل ثم بأن ينقل شخصا أو شيئا إلى مكان معين مع مراعاة مقتضيات النصوص الخاصة في مادة النقل والإتفاقات الدولية التي تعد المملكة المغربية طرفا فيها" ومنه يتبين
أن مسألة تحديد طبيعة مسؤولية الناقل لم تعرف خلافا كبيرا على غرار الخلاف الذي سجل بخصوص الأساس الذي تنبني عليه، ذلك أن تحديد طبيعة هذه المسؤولية غالبا ما يتم الحسم فيه استنادا إلى وجود عقد النقل من عدمه، وإلى هذا ذهب المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا) حيث شد عن هذا التوجه معتبرا مسؤولية الناقل العقدية تظل قائمة مادام الراكب متصلا بالناقلة، فإذا توقف لسبب من الأسباب فإن مسؤولية الناقل العقدية تنقطع لتبتدأ مسؤوليته التقصيرية .
والتزام الناقل محل هذا العقد يتمثل في ضمان سلامة الركاب ويشكل ذلك محور المسؤولية العقدية في حوادث السير، فهو يرتبط وجودا وعدما بوجود أو انعدام عقد النقل، هذا فضلا عن اشتراط المقابل بين الراكب والناقل بمعنى إذا وجد العقد الإلتزام بالسلامة وإذا انعدم أو وجد مجانيا تخلف الإلتزام التعاقدي بضمان سلامة الركاب ، ويعتبر ذلك من أبرز أوجه الإختلاف والخصوصية التي تحظى بها المسؤولية في هذا المجال، فالقواعد العامة الوارد في قانون الإلتزامات والعقود تقضي بأن وإذا كان ملزما لجانب واحد فهو يرتب المسؤولية ومن ثم التعويض على عاتق المخل في مواجهة المضرور وإلى هذا الإتجاه سار المجلس الأعلى؛ فقد اعتبر أن التعويض عن الضرر اللاحق بالمسافر بالمجان يندرج ضمن نطاق الفصل 106 من القانون التجاري وليس الفصل 88 من قانون الإلتزامات والعقود ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالوقوف على الإلتزام المخل به يتطلب التساؤل عن طبيعته بحسب ما إذا كان التزام ببذل عناية أو بتحقيق نتيجة ، لأن ذلك يساهم في ضبط أساس هذه المسؤولية – بين تأسيسها على الخطأ المفترض أو الخطأ الواجب الإثبات- وإن كان الأمر لا يخلق إشكال في إطار القواعد العامة فالأمر على خلاف ذلك في نطاق حوادث السير، وبالعودة للمدونة التجارة نجد المشرع قد أخذ بفكرة الإلتزام بتحقيق نتيجة الملقى على عاتق الناقل، وهو ما يستشف من الفصل 443 من مدونة التجارة ولا يتحلل منه إلا بالتنفيذ أو بإثبات السبب الأجنبي الذي حال دون ذلك ، والخطأ في هذه الحالة يفترض مادامت لم تبلغ النتيجة المتفق عليها منذ البداية وهي ضمان السلامة.
الفقرة الثانية: تطبيقات المسؤولية العقدية في حوادث السير " عقد التأمين نموذجا"
في عقد النقل، إذا كان الناقل ملزما التزاما عاما بإيصال الراكب إلى جهة الوصول سليما معافا بدون أي ضرر، وإلا كان مقصرا في تنفيذ التزامه التعاقدي فإنه يتعين على الراكب إثبات وجود عقد النقل وقت وقوع الحادث وتضرره منه. وعلى الناقل من أجل دفع المسؤولية ونفيها عنه إثبات وجود سبب أجنبي لا دخل لإرادته فيه أو خطأ الراكب أو وجود قوة قاهرة.
ولما كان الجزاء المقرر في حالة ثبوت المسؤولية المدنية يتجلى في مطالبة المضرور بتعويضه عما أصابه من ضرر فإن المشرع ألزم كل شخص ذاتي أو معنوي من الممكن مساءلته مدنيا بخصوص الأضرار البدنية اللاحقة بالغير بواسطة عربة برية ذات محرك بسبب استعمالها في السير أن يعقد تأمينا لضمان مسؤوليته المدنية عن الأضرار المرتكبة.
ويعتبر التأمين من المسؤولية من أهم صور التأمين عن الأخطار بحيث يعرف انتشارا واسعا بالنظر الى التطورات الإقتصادية والتكنولوجية مما أدى إلى اتساع صور المسؤولية المدنية للمسؤولية الناتجة عن النقل البري للأشخاص و حتى البضائع...
ويجب أن يشمل التأمين المذكور المسؤولية المدنية للموقع على العقد ولمالك الناقلة و لكل شخص يتولى بإذن منهما حراسة أو سياقة الناقلة.
و دعوى المسؤولية هنا لا ترفع إلا من طرف المضرور و بالتالي فهو إما أن يرفعها ضد المؤمن له أو ضد المؤمن مباشرة.
أولا: دعوى المضرور ضد المؤمن له.
إن الخطر المؤمن منه في التأمين من المسؤولية ليس هو تحقق مسؤولية المؤمن له أي وقوع الحادث بل هو رجوع المضرور عليه ومطالبته بالتعويض سواء أكانت المطالبة ودية أو قضائية.
وتتم المطالبة بدعوى مباشرة يقيمها المتضرر ضد المؤمن له عن طريق إقامة دعوى المسؤولية المدنية لكن قبل ذلك يمكن إجراء تسوية ودية هذه الأخيرة تخضع لمبدأ نسبية الآثار ويمكن للمؤمن أن يواجه المؤمن له بكافة الدفوع التي من شأنها أن تعفيه من المسؤولية سواء من حيث قيامها أو نطاقها ومن حيث مبلغ التعويض والضمان فغالبا ما يحتوي عقد التأمين شرط على المؤمن له بعدم إبرام صلح إلا بموافقة المؤمن.
ورفع دعوى المسؤولية على المؤمن له لا يخلو من ثلاث حالات فإما أن يواجهها المؤمن له وحده وهو أمر نادر الوقوع إذ غالبا ما يدخل المؤمن معه كخصم في الدعوى إلا أنه أحيانا قد يواجه المؤمن له الدعوى بمفرده في حالة تعذر عليه إدخال المؤمن فيها بسبب أو آخر كأن تقام ضده الدعوى العمومية دون الدعوة المدنية مثلا.
وقد يتدخل المؤمن في دعوى المسؤولية المقامة ضد المؤمن له من تلقاء نفسه أو يدخل خصما فيها من طرفه - المؤمن له - وذلك من أجل الدفاع عن مصالحه الشخصية لأن الحكم الذي قد يصدر يكون حجة عليه و يحوز قوة الشيء المقضي بالنسبة له.
والحالة الأخيرة هي أن يتولى المؤمن إدارة دعوى المسؤولية فقد يشترط عليه في عقد التأمين توليه الدفاع عنه- المؤمن له- في الدعوى التي يرفعها ضده المضرور من أجل حماية مصالح وحقوق المؤمن من إساءة المؤمن له الدفاع عن نفسه أثناء مباشرته الدعوى بمفرده.
ثانيا: دعوى المتضرر مباشرة إلى المؤمن.
من أجل ضمان حصول المتضرر أو ذوي حقوقه على التعويض واستثناء من قواعد المسؤولية المدنية باعتبار المتضرر عنصر أجنبي عن العلاقة التعاقدية التي تربط المؤمن و المؤمن له على اعتبار أن العقد ينتج آثاره تجاه أطرافه فقط، نص المشرع المغربي على حماية المتضرر وأحدث علاقة قانونية مباشرة أساسها القانون بين المتضرر أو ذوي حقوقه و مؤمن المسؤول المدني عن الضرر اللاحق بهم وأعطاهم حق امتياز على مبدأ التأمين وحق مباشرة الدعوى المباشرة ضد المؤمن في حدود الضمان المنصوص عليه في العقد.
و يجب على المضرور في سلوكه الدعوى المباشرة أن يثبت أولا مسؤولية المؤمن له عن الضرر و بأنه السبب المباشر في حصول الحادثة و أن يثبت وجود عقد التأمين بين المؤمن له والمؤمن و هذا الشرط الأخير أكده المجلس الأعلى الذي قضى في قرار إستئنافي بعلت خرقه لمقتضيات المادة 399 من ق.ل.ع بأنه على من يطالب بالتزام شركة التأمين بالضمان عليه أن يثبت ذلك أي ضرورة الإدلاء بوجود وثيقة التأمين .
ثم إنه يجب إقامة هذه الدعوى داخل أجل ثلاث سنوات الذي يلي تاريخ إرسال الرسالة التي تمتنع فيها مؤسسة التأمين عن دفع التعويض.
المطلب الثاني: مسؤولية المهندس المعماري
يعد عقد الهندسة من العقود الأكثر انتشارا في الوقت الراهن وذلك راجع للتطور الحضاري. كما أنه لا يمكن تشييد أي منشئة حضارية دون عقد الهندسة، لذلك قبل الحديث عن المسؤولية العقدية المترتبة عن هذا العقد ينبغي علينا أولا التعرف على طبيعة هذا العقد.
إن عقد الهندسة هو عقد يبرمه رب العمل مع المهندس المعماري الذي يعتبر العقل المدبر لمشروع البناء ويتولى مهمة التخطيط والإشراف. ووعيا من المشرع المغربي بأهمية مهمة الهندسة والمسؤوليات المترتبة على مهام المهندس. نظم هذه المهنة في قانون خاص يتجسد في القانون رقم 16.89 الصادر بظهير 10-9-1993.
وهذه المسؤولية تنقسم إلى مسؤولية قبل التسليم (الفقرة الأولى)، ومسؤولية بعد التسليم (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: المسؤولية قبل التسليم
نصت المادة الأولى من قانون 16-89 المتعلق بمزاولة مهنة الهندسة المعمارية وإحداث هيئة المهندسين المعماريين الوطنية على مجموعة من المهام التي يقوم بها المهندس على سبيل المثال لا الحصر نجد المهام التقنية والفنية (أولا) والمهام الإدارية والاستشارية (ثانيا) وأي إخلال بهذه المهام يترتب عنه قيام المسؤولية العقدية في مواجهة المهندس المعماري.
أولا: الإخلال بالالتزامات ذات الطابع التقني والفني
تتلخص الالتزامات ذات الطابع الفني والتقني في التزامين رئيسيين، الأول يتعلق بالتحري عن طبيعة الأرض المراد البناء فيها والثاني يتجلى في وضع تصميم مناسب لنوعية البناء الذي يتعين تشييده. وأي إخلال بهذين الالتزامين يترتب عنه قيام المسؤولية على عاتق المهندس. إذن فماهي صور هذه الإخلالات؟ وإلى أي حد يعتبر المهندس المعماري مسؤولا عن هذه الإخلالات؟
إن الشق الأول المتعلق بالمسؤولية عن طبيعة الأرض التي تعد العمود الفقري لعملية التشييد كلها، لذلك يتعين أن تكون الأرض قابلة للبناء سواء من الناحية القانونية أو من الناحية الفنية. ومن تم فيجب إجراء سلسلة من الفحوصات التقنية الأولية التي تؤكد خلوها من العيوب المادية والقانونية التي تحول دون البناء أو تتسبب في تهدمه.
لذلك يجب على المهندس المعماري فبل الشروع في عملية تنفيذ الأشغال إجراء ما يسمى بالفحوصات التقنية الأولية التي على ضوئها يتأكد هذا الأخير من خلو الأرض من العيوب القانونية والمادية التي تحول دون البناء عليها. وفي هذا الصدد ذهب القضاء المغربي , حيث نجد في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط قد حملت فيه المهندس المسؤولية الكاملة والشخصية عن عيوب الأرض وهكذا ذهبت في قرارها الصادر بتاريخ 27-1-1945 إلى القول بأن المهندس المعماري لا يكون قد أوفى بالتزاماته اتجاه رب العمل رخص للمقاول بالبناء على أرض غير صالحة لتحمل ثقل معين من غير أن يفحص طبيعة هذه الأرض التي كانت مخصصة لبناء فيلا". حيث عللت حكمها بأنه كان عليه القيام بدراسة اليقظة لضبط خصوصيات هذه الأرض التي كانت تحتوي على 20 مترا كلسا جيريا من حيث العمق.
كما أن القضاء الفرنسي بدوره يبدي تشددا واضحا مع المهندسين المعماريين في هذا الشأن ويحملهم مسؤولية ما يصيب البناء متى كان راجعا إلى عيب في التربة أو إلى طبيعة الأرض التي أقيم عليها البناء.
من هنا يتضح أن مسؤولية المهندس قائمة لا محالة عندما يكون مسؤولا عن التصميم والإشراف معا. لكن الإشكال الذي يطرح في هذا الصدد هو ما إذا كان مسؤولا عن التصميم فقط دون إشراف، هل يعد مسؤولا عن عيوب الأرض أيضا أم لا؟
اختلف الفقه في ذلك، حيث يرى الاتجاه الأول أن المهندس غير مسؤول عن عيوب الأرض عندما يكون محل العقد الذي يربطه مع رب العمل هو وضع تصميم فقط دون إشراف ولا يسأل في ذلك إلا إذا كان عالما بعيوب الأرض ولم يخبر بها رب العمل، أما إذا كان لا علم له بها فلا محل للمسؤولية.
في حين الاتجاه الثاني يرى أن المسؤولية دائما تبقى على عاتق المهندسين وذلك من أجل أن يفي بالتزاماته العقدية على أكمل وجه.
بعد قيام المهندس بالتحقق من قابلية الأرض للبناء فهو يقوم بإعداد تصميم ويتقيد في ذلك بثلة من القيود والضوابط، فالتصميم يقصد به ذلك الرسم الأساسي الذي يبين أساسيات البناء وهيكله وحجمه ومكوناته وتقسيماته. وكل عيب في هذا التصميم يسأل عنه المهندس طبقا لما جاء في منطوق الفصل 729 من ق ل ع " المهندس المعماري الذي أجرى تصميم البناء ولم يشرف على تنفيذ عملياته لا يضمن إلا عيوب تصميمه." فمن خلال هذا الفصل يتضح أن أي خطأ ارتكبه المهندس في وضعه للتصميم يعتبر سببا لقيام المسؤولية العقدية متى كان النزاع في ذلك قبل التسليم. أما إذا قام المقاول بإعداد التصميم فإن المهندس يتحلل من المسؤولية لأن المسؤولية تكون شخصية على كل خطأ ارتكبه في التصميم. ومن بين هذه الأخطاء:
التصميمات المخالفة للغرض الذي خصص له المبنى
التصميمات المخالفة للأصول الفنية أو المخالفة بالمظهر الجمالي للمبنى
التصميمات المخالفة للأحكام والقوانين المنظمة لعمليات البناءات أو اللوائح التنظيمية
المقاسات غير الدقيقة.
ثانيا: الإخلال بالالتزامات الإدارية والاستشارية
بالإضافة إلى الالتزامات الفنية والتقنية فإن المهندس يتقيد بالتزامات إدارية واستشارية تتمثل في الإشراف والمراقبة اللازمين للسهر على حسن تنفيذ التصميم المعماري والتنبيه إلى المخاطر المتوقعة. إذن ما المقصود بمهمة إدارة الأعمال والرقابة والإشراف عليها؟
نقصد بمهمة الإدارة والمراقبة هي قيام المهندس برقابة مدى صحة عمل المقاول المنفذ، وقد يتم الاتفاق بين المهندس ورب العمل على وضع تصميم فقط دون القيام بأعمال الإدارة والإشراف وهنا يتحلل من المسؤولية وذلك طبقا للفصل 779 ق ل ع. وبالرجوع إلى ذلك القانون بالواجبات المهنية للمهندسين المعماريين في الفصل 19 فنجده قد حدد مفهوم التوجيه والإشراف حيث يتوجب على هؤلاء القيام بمهام التوجيه والإشراف في الصيغة التالية: "يتعين على المهندس المعماري أن يعطي للبناء التوجيه العقلاني الذي يستوجبه.
بالإضافة إلى مهمة الإشراف والرقابة فهو كذلك يتحمل مهمة تبصير رب العمل وإرشاده. ونقصد بالالتزام بالتبصير بأنه الحالة التي يفرض فيها القانون على المهني أن يخبر المتعاقد الاخر بجوهر محل العقد ومكوناته. ويجد هذا الالتزام أساسه العام في خلق توازن في المعرفة بين المتعاقدين سواء بسبب انعدام المساواة في الاختصاص المهني أو الكفاءة وهنا المهندس يلتزم بتبصيره بحكم تخصصه وصفته المهنية.
وهذا التبصر لا يقتصر على مرحلة من المراحل بل يشمل جميع عمليات تنفيذ المشروع بدءا من إعداد الدراسات إلى غاية انتهاء المشروع وتسليمه لرب العمل. لكن السؤال المطروح هو في حالة تقصير المهندس عن تبصير رب العمل، هل تقوم المسؤولية العقدية؟
فبالرجوع لقانون الواجبات المهنية للمهندسين الفصل 6 منه ينص على أن المهندس المعماري هو الموجه والناصح لزبونه ومن هذا الفصل يتضح لنا أن التزام الموجه للمهندس هو التزام أدبي فقط لأن صياغة الفصل لا تدل لا على صيغة الوجوب وهذا ما ذهبت عليه محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 1937-04-13 حينما رفضت دعوى رب العمل المثارة ضد المهندس المعماري في إطار الفصل 83 من ق ل ع, مبررة رفضها بعدم توفر نية التضليل للطرف الاخر وإن النموذج المعيب الذي اختاره أرباب العمل، ومن تم يكون المهندس المعماري قد نفذ مهمته بمراعاة التصميم المختار من قبلهم.
ولكن بعد صدور قانون 31-08 المتعلق بحماية المستهلك يوضح لنا نية المشرع للقيام بنصيحة الطرف المستهلك ورب العمل يعد مستهلكا وأن أي إخلال بذلك يترتب عنه المسؤولية العقدية. حيث أن المهندس ملزم بتقديم النصيحة سواء في المرحلة التي تسبق الشروع في البناء او في المرحلة الموالية للبدء في التنفيذ.
الفقرة الثانية: المسؤولية العقدية للمهندس المعماري بعد التسليم
تعد عملية التسليم الاعمال لرب العمل من المراحل المهمة جدا في الهندسة المعمارية، فالتسليم لا يعتبر نهاية المشروع الذي تعهد كل من المقاول أو المهندس المعماري بإنجازه(أولا) وإنما يعد بداية للنهاية إن صح التعبير وهو ما يسمى في قانون الالتزامات والعقود بالضمان العشري(ثانيا).
أولا: عنصر التسليم
تعد عملية تسليم أشغال المقاولة لرب العمل من المراحل المهمة جدا في عقد المقاولة فالتسليم لا يعتبر نهاية المشروع الذي تعهد المقاول بإنجازه وإنما يعد بداية للنهاية إن صح التعبير ويرجع ذلك إلى أن تسلم رب العمل للبناء هو المنطلق الأولي لاختبار مدى قوة وصلاحية البناء لمواجهة المخاطر التي قد يتعرض لها في المستقبل.
لم يعرف المشرع المغربي تسلم الأعمال بينما عرفه المشرع الفرنسي في المادة 6-17962 من القانون المدني بأنه " التصرف الذي بموجبه يقرر رب العمل بتحفظات أو بدونها. وهناك البعض من الفقهاء من يعرفه بأنه مجرد واقعة قانونية أو عمل مادي يرتب عليه القانون أثرا. أو بعبارة أخرى مجرد الوجه الاخر لعملية الإعطاء أي التسليم منظور إليها من زاوية الدائن فيما يعرفه البعض الاخر بأنه عملية حضورية موضوعها التحقق من اكتمال الأعمال ومن حيث تنفيذها طبقا لشروط الصفقة.
وعموما يمكن تعريف التسلم بأنه وضع اليد على العمل فعلا أو حكما وضعا مصحوبا عادة بتقبله وإقراره وعلى ذلك لكي يتم التسلم صحيحا منتجا لآثاره القانونية المختلفة، لا يكفي فيه أن يكون فقط ذلك التسلم المادي للعمل المتمثل في حيازته حيازة فعلية أو حكمية وإنما يجب أن تكون هذه الحيازة مصحوبة عادة بقبول العمل وإقراره من رب العمل على اعتبار أنه قد تم صحيحا طبقا للمتعارف عليه من أصول الصنعة ولما هو منصوص عليه في شروط العقد.
وبرجوعنا إلى قانون الواجبات المهنية للمهندسين المعماريين بالمغرب، نجده يشير بشكل عابر في الفصل 10 منه على أنه يتعين على المهندس المعماري أثناء تسلم الأشغال أن يسجل في محضر التسلم أقوال الأطراف وملاحظاتهم كما يتوجب عليه أن يؤشر على التصرف القانوني المبرم بهذه المناسبة.
وينقسم التسلم إلى عدة أنواع نذكر منها التسلم الصريح والضمني. إذ أن التسلم الصريح لا يشترط بشكل معين غير أنه جرت العادة على أن يحرر محضر بهذا التسلم يوقعه الأطراف وفي هذه الحالة يقال أن التسلم قد تم صراحة. أما بخصوص التسلم الضمني قد يستخلص من بعض الوقائع مادامت تكشف بوضوح عن نية رب العمل في قبول الأعمال ومثال ذلك في الحيازة الفعلية للعقار واستعماله لمدة طويلة حيث يضع رب العمل يده على البناء أو يستعمله لمدة طويلة قبل تسليمه إليه.
وهناك ما يسمى بالتسليم المؤقت الذي عرفه الفقه بالتصرف الذي بمقتضاه رب العمل عن كتب الأشغال المنجزة من طرف المهندس قصد فحصها داخل أجل معين داخل أجل معين وفي جانبه أيضا هناك ما يعرف بالتسلم النهائي أي تقبل البناء بصورة نهائية بعد إصلاح العيوب المتحفظ بشأنها وتوقيع الأطراف على محضر التسلم وفقا للمسطرة الجاري بها في هذا الشأن ما لم يكن التسلم ضمنيا. ويتم التسلم كذلك جزئيا أو كليا إذا ما شكل موضوع اتفاق رب العمل والمهندس المعماري وذلك بحصوله على مراحل كلما تم إنجاز جزء من الأعمال إذ يترتب على ذلك مجموعة من الأعمال من يوم حصوله في خصوص الجزء الذي تعلق به. وقد استخلصه بعض الفقه من مقتضيات الفصل 775 من ق ل ع الذي جاء فيه " لا يستحق الوفاء بالثمن إلا بعد إنجاز العمل الذي هو محل العقد وإذا حدد أداء الثمن على أساس وحدة زمنية أو جزء من العمل استحق الوفاء بعد إنجاز كل وحدة من وحدات الزمن أو العمل.
والتسلم ينتج مجموعة من الاثار القانونية وهي بإيجاز تتمثل في ضرورة نقل المقاول أو المهندس المعماري حيازة المصنوع المتفق عليه بينه وبين رب العمل وفقا للمسطرة الجاري بها العمل، وذلك إما بتمكين مالك العقار من وضع اليد عليه والانتفاع به واستغلاله أو التصرف فيه بجميع أوجه التصرف المخول له قانونا.
إن للتسلم اثر إعفائي فيما يخص العيوب الظاهرة حيث أنها لا تكون مشمولة بالضمان, غير أن ذلك لا يفد بأن العيوب الظاهرة لا تكون مضمونة مطلقا, بل يحق لرب العمل عند اكتشافه لهذه العيوب التي يشترط فيها ان تكون ظاهرة, وبالتالي مطالبة المقاول أو المهندس المعماري بإصلاحها غير أن احتجاج رب العمل حول هذه العيوب يشترط أن يكون أثناء فترة الضمان التي تعقب التسلم مباشرة وغالبا ما تكون مدتها سنة وحدة.
إن التسلم يعد منطلق لحساب مهلة الضمان العشري بحيث يعد من أهم الاثار التي تترتب على عملية تسليم الأشغال. وقد تم التنصيص في الفقرة الثالثة من الفصل 769 من ق ل ع التي جاء فيها " تبتدئ مدة العشر سنوات من يوم تسليم المصنوع ويلزم رفع الدعوى خلال 30 يوما التالية ليوم ظهور الواقعة الموجبة للضمان وإلا كانت غير مقبولة".
وعموما تتجلى أهمية هذا الأثر الأخير في أنه يشكل نقطة بداية الانتقال من دائرة المسؤولية العقدية وفقا للنظرية العامة إلى دائرة المسؤولية العشرية أو الضمان العشري الذي يتحمله المقاول تضامنا مع المهندس المعماري بعد حصول عملية التسليم (ثانيا).
ثانيا: الضمان العشري للمهندس المعماري
إن البحث في ماهية الضمان العشري للمهندس المعماري أي المسؤولية المعماري أو العشرية وفقا للقواعد الخاصة هو من الأهمية بمكان.
فلقد تعددت اتجاهات الفقه والقضاء حول تحديد مصدر الالتزام الذي يترتب الضمان العشري على الإخلال به أو بعبارة أخرى بيان طبيعة مسؤولية المهندس وعلاقته برب العمل. فمنهم من اعتبرها مسؤولية عقدية مصدرها عقد المقاولة وهناك من اعتبرها أيضا مسؤولية عقدية ولكن قررها القانون.
وعلى اعتبار أن المشرع المغربي شانه في ذلك شأن باقي التشريعات المقارنة أولاها بأهمية خاصة حيث ذهب الرأي الغالب في الفقه الفرنسي إلى القول بأن مسؤولية المهندس المعمارية العشري من طبيعة عقدية طالما أنها ناجمة عن عدم تنفيذها للالتزامات العقدية ويمضي أصحاب هذا الرأي بالقول ان واقعة التسليم وقبول الأعمال المصنوعة لا تضع حدا نهائيا للعقد. وهذا الرأي يجد ما يقابله في التشريع المغربي في الفصل 769 من قانون الالتزامات والعقود، ومن ثم يعتبر منشأ المسؤولية حسب القانون المغربي هو الهندسة المعمارية بالنسبة للمهندس المعماري.
يقوم العنصر البشري بدور مهم وأساسي في عملية البناء بما في ذلك القائمون بالدراسات والتخطيطات والتصاميم. ولا يمكن الحديث عن المسؤولية العشرية إلا بوجود طرفين أحدهما دائن والأخر مدين، فالدائن بالضمان هو رب العمل الذي له الحق في الضمان العشري والمستفيد منه والطرف الاخر هو موضوع حديثنا بجانب المقاول عن البناء الذي يعدون من أطراف الضمان العشري والملتزمين به.
إن المهندس المعماري يعد هو المسؤول عن الضمان العشري في إطار قانون الالتزامات والعقود. فبالرجوع إلى الفصل 769 منه نجده حصر المسؤولية العشرية في كل من المهند س المعماري والمقاول. والمستفيد الأول من أحكام الضمان العشري الخاص بالمهندس المعماري هو رب العمل المرتبط بعقد الهندسة المعمارية مع المسؤول، ومن ثم فهو المسؤول عن الشخص الذي أصابه الضرر جراء تهدم البناء. وعليه فإن رب العمل هو الذي يتعاقد مع المهندس لوضع التصميم والإشراف على تنفيذه. حيث يعمل لحسابه ولمصلحته إلا أنه هو الذي يصاب عادة بالضرر نتيجة تهدم البناء كليا أو جزئيا أو ظهور عيب به فيرجع بالضمان العشري على المهندس المعماري تطبيقا للفصل 769 من ق.ل.ع.
وليس هناك ما يمنع الأطراف المتعاقدة من الاتفاق على تشديد الضمان العشري باعتبار أن ذلك لا يؤثر على الغاية التي أدرج من أجلها الضمان العشري. بل تزيد في تقويته وتعزيزه وتحث المقاولين على بدل المزيد من العناية والحرص أثناء إنجازهم لأشغال البناء . ولكي يتحقق الضمان العشري فإنه يلزم توفر مجموعة من الشروط اللازمة لقيام هذا الضمان والتي تتمثل أساسا في ضرورة تشييد بناءات أو غيرها من المنشآت المعمارية الأخرى من طرف المقاول والمهندس المعماري، وإن تتعرض هذه الأبنية للتهدم لسبب من الأسباب المنصوص عليها في الفصل 769 من ق ل ع وهي نقصان في المواد أو عيب في الأرض أو طريقة البناء بالإضافة إلى أنه يتعين وقوع هذا التهدم أو التعييب داخل فترة الضمان العشري الموالية للتسليم .
وما تجذر الإشارة إليه أن الفصل 769 من ق ل ع أصبح قاصرا في مواكبة التطورات والتغيرات التي عرفها مجال العمران مما يستلزم من المشرع المغربي إعادة النظر في هذا الفصل لتوسيع نطاق الأشخاص الملزمون بالضمان العشري أسوة بغيره من التشريعات المقارنة كالمشرع الفرنسي.
خاتمة:
خلاصة القول فإن المسؤولية العقدية لا تصح دون توفر العناصر اللازمة لقيامها سواء تعلق الأمر بالعناصر الشكلية أو الموضوعية ، و بعد استكمال المسؤولية العقدية لعناصرها تنتج آثارها على من أخل بالتزاماته التعاقدية و تعد هذه الآثار هي العنصر الجوهري و العمود الفقري الدافع والباعث وراء هذه المسؤولية المتمثلة أساسا في تعويض الخسارة ، غير أن بإمكان الأطراف تعديل أو الاتفاق على تعديل المسبق لأحكام هذا التعويض فإن هذه الاتفاقات إما يسمح بالتخفيف أو الإعفاء من هذه المسؤولية، إلا أن ذلك قليل ما يقع و لعل السبب الكامن في اعتقاد المتعاقدين بأن الضمان القانوني هو أقصى ما يمكن توفيره للدائن .
وربطا بالواقع المعاش فتتجلى أساسا المسؤولية العقدية من خلال أحدث تطبيقاتها المتجلية في المسؤولية العقدية عن حوادث السير واقتصرت دراستنا له في عقد التأمين نموذجا و تماشيا منا مع نفس سيرورة النظام العقدي قمنا بتسليط الضوء على دراسة مسؤولية المهندس المعماري في شقها العقدي نظرا لما يشهده مجال العمران من تطور.
لائحة المراجع:
الكتب
• نزهة الخلدي،"الموجز في النظرية العامة للإلتزامات "؛ الكتاب التاني المسؤولية المدنية ؛طبعة:2016،مطبعة تطوان.
• عبد القادر العرعاري، " مصادر الالتزامات ـالكتاب الثاني ـ المسؤولية المدنية"، مطبعة الكرامة ـ الرباط.
• محمد الزوجال " محاضرات في المسؤولية المدنية" السنة الجامعية 2017-2018.
• البشير أزميزم، المسؤولية المدنية على ضوء الفقه والعمل القضائي ، الطبعة الأولى 2018 مطبعة rive imrimerie تطوان.
• عبد القادر بوبكري؛"الوجيز في المسؤولية المدنية"؛ طبعة 2016|2017، مطبعة سجلماسة، مكناس
• عبد الحق الصافي ؛"الوجيز في القانون المدني "؛الجزء الثاني؛ طبعة 2015؛مطبعة النجاح الجديدةـ الدارالبيضاء
• ـ محمد العروصي ،"المختصر في شرح المسؤولية المدنية "،طبعة 2019/2020، مطبعة أناسي مكناس.
• عبد الرحمان الشرقاوي ،"مصادرالإلتزام "،الجزء الأول ،طبعة 2017،مطبعة المعارف الجديدةـ الرباط .
• عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني، دراسة حديثة للنظرية العامة للإلتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الإقتصادي، الكتاب الأول، مصادر الإلتزام، الجزء الثاني، الواقعة القانونية، الطبعة الأّولى، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، سنة 2015.
• عبد العزيز الحظري ،" أحكام المسؤولية المدنية"، طبعة 2017.
• عبد الكريم الطالب " الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية" المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الخامسة، سنة 2008.
• عبد الرزاق السنهوري " الوسيط في شرح القانون المدني" الجزء الأول، مصادر الإلتزام، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الثالثة.
• مصطفى الطايل " أحكام المسؤلية المدنية" مطبعة مكتبة النخيل للطباعة والنسخ، وجدة.
• محمد أوغريس " قضاء المجلس الأعلى في المسؤولية المدنية" الطبعة الأولى، سنة 2002، مطبعة دار القروين بالدار البيضاء.
• المختار بن أحمد العطار، النظرية العامة للإلتزامات في ضوء القانون المغربي" الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2011.
• محمد زين " النظرية العامة الإلتزامات" الطبعة الثانية، دون ذكر المطبعة.
• عبد الكريم شهبون " الشافي في شرح قانون الإلتزامات والعقود" الكتاب الأول، الإلتزامات بوجه عام، الجزء الثاني، مصادر الإلتزام، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999.
• فاطمة متميز، "المسؤولية المعمارية للمقاول بين أزمة النص ومتطلبات الإصلاح"، مطبعة الأمنية الرباط، الطبعة 2010.
• محمد شكري سرور، "مسؤولية مهندسي ومقاولي البناء والمنشئات التالية الأخرى"، دراسة مقارنة، دار الفكر العربي القاهرة، الطبعة 1978.
الرسائل والأطروحات:
• عثمان الهاشيمي، المسؤولية القانونية للمهندس المعماري ومقاول البناء، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا الماستر, كلية الحقوق طنجة, السنجة الجامعية 2017-2018.
• عالية منصور، المسؤولية العقدية لمقاول البناء ، رسالة لنيل دبلوم الماستر 2009-2010.
• عبد الرحمان حموش ": المسؤولية العقدية للمهندس المعماري في القانون المغربي والمقارن" أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص ، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والإجتماعية بوجدة، السنة الجامعية 2011-2019.
• عبد الرحمان حموش، المسؤولية العقدية للمهندس المعماري في القانون المغربي والمقارن، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة محمد الأول بوجدة, السنة الجامعية 2010-2011.
• محمد الإدريسي " تكييف العقود في القانون المغربي" أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس بالرباط.
• سعيد الدغيمر " تنفيذ الإلتزام بمقابل أو بطريق التعويض في التشريع المغربي"، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، الرباط.
تعليقات
إرسال تعليق