التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حماية المسهلك في العقد الالكتروني

مقال من انجاز الطالب الباحث محمد بلعلي

طالب باحث بسلك الماستر، ماستر القانون المدني والتحولات الاقتصادية










مقدمة
عرف العالم عهدا جديدا من النهضة في المجالات الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات، والتي تعد بحق، الثورة الصناعية الثانية في حياةالبشرية، حيث لا يجد مستخدم الأنترنيت أي عناء في استظهار التطور الهائل والسريع لمواقع التجارة الإلكترونية.
وهذا القالب الجديد المتطور أصبح الوسيلة المفضلة للمستهلك والمهني في قضاء مآربهم مستغلين مزايا هذا النوع من التعاقد، كالسرعة في إبرام العقد، وقلة التكلفة والنفقات، بالإضافة إلى تحقيق الفعالية التجارية بتطوير وظهور أسواق جديدة وضمان التنوع والمنافسة.
ومن أجل التشجيع على الاقتناء الإلكتروني والاستهلاك بتوظيف الوسائط الالكترونية، بدت الحاجة ملحة إلى تحقي التوازن العقدي بين أطراف عقد الاستهلاك الإلكتروني، وهو ما تأتي بإصدار قانون 31.08[1] كقانونيعنى بتحديد تدابير لحماية المستهلك والذي جاء ضمن مقتضياته باب خاص لحماية المستهلك في عقود الاستهلاك المبرمة إلكترونيا، دون أن نغفل في ذلك بعض القوانين والنصوص الخاصة التي تشكل النظرية العامة لحماية المستهلك في المجال الإلكتروني.
إلا أنه رغم هذه المزايا التي قد يوفرها التعاقد الإلكتروني فهو في نفس الوقت يعرف مجموعة من المخاطر والمجازفة التي قد تضر بحقوق المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية، هذه المخاطر التي إما تعد لجهل المستهلك الالكتروني لشروط التعاقد، أو الراجعة لطريقة وكيفية إبرام هذا النوع من العقود بحيث يمكن أن بين المنتوج أو السلعة أو الخدمة على غير حقيقتها، وذلك راجع لعدم قدرة المستهلك الإلكتروني على معاينة المبيع بطريقة حقيقية.
ونظرا لهذه الخطورة التي قد تصيب المستهلك من جراء إبرام العقود الإلكترونية اتجهت جل تشريعات دول العالم إلى توفير نوع من الحماية لهذه الطائفة الخاصة بالمستهلكين، والمغرب بدوره سار على نفس النهج بحيث أصدر سنة 2007 أول قانون يهم تنظيم العلاقات التعاقدية المبرمة بشكل إلكترونيوهو القانون رقم 53.05[2]  المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية. ولعل أبرز قانون جاء به المشرع المغربي من أجل توفير الحماية القانونية لطائفة المستهلكين بصفة عامة والمستهلكين الإلكترونيين بصفة خاصة هو القانون 31.08، حيث حمل في طياته مجموعة من الضمانات القانونية الهادفة إلى توفير الحماية اللازمة لهذه الفئة سواء أثناء تكوين العقد أو أثناء تنفيذه.
وتتجلى أهمية دراسة هذا الموضوع في كون أن التعاقد بطريقة إلكترونية فرض نفسه في الواقع لاسيما في مجال الاقتصاد، حيث أصبح معظم المستهلكين والموردين يلجؤون لتداول السلع والمنتجات والخدمات عن طريق التجارة الإلكترونية.
وهنا نطرح إشكالية رئيسية وهي كالتالي:
إلى أي مدى توفق المشرع المغربي بفعالية وقدرة النصوص التي أقرها القانون 31.08 في حماية المستهلك المتعاقد بشكل إلكتروني؟
ولدراسة هذا الموضوع ارتأينا تقسيمه إلى مطلبين
المطلب الأول: حماية المستهلك قبل إبرام العقد الإلكتروني.
المطلب الثاني: حماية المستهلك بعد إبرام العقد الإلكتروني

المطلب الأول: حماية المستهلك قبل إبرام العقد الإلكتروني
قام المشرع المغربي خلال قانون رقم 31.08 بإرساء مجموعة من الضمانات القانونية الهادفة إلى تنوير إرادة المستهلك الالكتروني في إطار العقود الالكترونية وذلك قبل التعاقد، حيث تتمثل أهم هذه الضمانات في التزام المورد بإعلام المستهلك بالمعلومات الحاسمة (الفقرة الأولى)، وفي حماية المستهلك من الإشهار المضلل (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: حق المستهلك الإلكتروني في الاعلام
حرصت التشريعات الحديثة على ضرورة إعلام المستهلك الالكتروني على نحو معين يختلف عن الحق في الحالات العادية، وعليه سنتناول من خلال هذه الفقرة تبيان مفهوم الاعلام (أولا)، ثم نتطرق لمضمونه (ثانيا).
أولا: تعريف الالتزام بالإعلام الإلكتروني
أدى التطور الاقتصادي والعلمي الحاصل في مجالات مختلفة، والذي صاحبته ثورة صناعية غير مسبوقة، إلى إغراق الأسواق الاقتصادية بالمنتجات المتنوعة والمبتكرة، والتي يبقى المستهلك عاجزا عن فك رموز وعلامات تصنيعها ومكوناتها، والمواد المستعملة في صنعها وتأثيرها على الصحة، الشيء الذي أسفر عنه اختلال واضح في المراكز القانونية لطرفي العقد الاستهلاكي[3]، مما أدى ذلك إلى التفكير في ضرورة إلزام المهنيين المحترفين بإعلام وتبصير المستهلك الذي أصبح عاجزا عن الالمام بجميع تفاصيل العقد في الوقت المعاصر، مما استوجب إعلامه وتعريفه بظروف هذا التعاقد[4].
فالالتزام يعتبر من أهم التدابير  الحمائية المقررة لفائدة المستهلك التقليدي بصفة عامة والمستهلك الإلكتروني بصفة خاصة، ويقصد به إحاطة المتعاقد الآخر بالمعلومات اللازمة والمؤثرة في إقدامه ودفعه إلى التعاقد[5].
أما بخصوص الالتزام بالإعلام الإلكتروني فيعرف كونه، التزام عام يغطي المرحلة السابقة على التعاقد يفي جميع العقود الإلكترونية، وعرفه البعض الآخر أنه ذلك الالتزام الذي يقع على عاتق التاجر الإلكتروني والذي بمقتضاه يعلم ويبصر المستهلك بالمعلومات الجوهرية والتي يتخذ المستهلك بناء عليها قراره بإتمام التعاقد أو الانصراف عنه[6].
وما نستخلصه من هذه التعاريف، أن الإعلام هي الوسيلة التي تبصر المستهلك بكل ما يتعلق بالعقد المزمع إبرامه، فإن كانت صالحة له أبرم العقد، وإن كانت ضارة له انصرف عن العقد.
ثانيا: مضمون الإعلام في العقد الإلكتروني
يعتبر الحق في الإعلام وسيلة للأمان ضد المخاطر التي قد يتعرض لها المستهلك أثناء التعاقد، فهي  حماية للمستهلك  ضد مخاطر المنتج الذي يشتريه سواء كانت سلعة أو خدمة، وهو ما يلزم على المورد أن يعلم المستهلك مسبقا بكل المعلومات والتفاصيل المتعلق بالعقد.
ويجد الإعلام أساسه في التشريع المغربي في المادة 3 من قانون 31.08 حيث نصت "يجب على كل مورد أن يمكن المستهلك بأي وسيلة ملائمة من معرفة المميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة وكذا مصدر المنتوج أو السلعة وتاريخ الصلاحية إن اقتضى الحال، وأن يقيم إليه المعلومات التي من شأنها مساعدته على القيام باختيار معقول باعتبار حاجياته وامكانياته...".
وتجدر الإشارة إلى أن الالتزام بإعلام المستهلك يجب أن يشمل أيضا نوع العقد المراد إبرامه، هل يتعلق بعقد تقليدي عادي، أم بعقد إلكتروني.
وعند قراءتنا لبعض المواد التي جاء بها قانون 31.08، نجد أنها نصت على ضرورة توفر في عقد البيع عن بعد على مجموع من المعلومات نذكر منها:
1_ التعريف بالمميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة محل العرض؛
2_ إسم المورد وتسميته التجارية والمعطيات الهاتفية التي تمكن من التواصل الفعلي معه وبريده الالكتروني وعنوانه وإذا تعلق الأمر بشخص معنوي فمقره الاجتماعي، وإذا تعلق الأمربغير المورد فعنوان المؤسسة عن العرض.
وفي نفس الإطار أضافت المادة 30 من نفس القانون على أنه "يجب على المورد أن يمكن المستهلك من الولوج بسهولة والاطلاع على الشروط التعاقدية المطبقة على توريد المنتوجات والسلع على تقديم الخدمات عن بعد، وذلك صفحة الاستقبال في الموقع الالكتروني لمورد السلعة أو مقدم الخدمة أو على أية دعامة اتصال تتضمن عرضا للمورد كما يجب أن تكون هذه الشروط موضوع قبول صريح من طرف المستهلك وذلك قبل تأكيد قبول العرض".
وتأسيسا على ما سبق فإن إقرار المشرع الحق في الإعلام تمكن المستهلك من معرفة الالتزامات القانونية الخاصة بالطرف الآخر، كما تمكن كل متعاقد من تقدير مضمون الالتزامات التي يتحملها، وذلك مع مراعاة الوسائل الحديثة التي أنتجت مستهلكا غير عادي يتخذ من وسائل  الاتصال الإلكتروني أساسا لتعاقداته.
القرة الثانية حماية المستهلك الإلكتروني من الاشهار المضلل
نظرا للقوة الاقتصادية التي يتميز بها المورد عن المستهلك الضعيف، قد يلجأ هذا المورد إلى ادعا وإشهار يتضمن معطيات ومعلومات كاذبة، وهذا التصرف يمنعه القانون. وفي هذا الصدد سنحاول أن نتطرق لتبيان مفهوم الاشهار المضلل (أولا)، ثم بعد ذلك لعناصره الأساسية (ثانيا).
أولا مفهوم الاشهار المضلل
مع انتشار أنظمة المعلومات، وتطور تقنية الاتصالات عبر شبكة الأنترنيت برزت إلى الساحة الاقتصادية ظاهرة التجارة الالكترونية، ومعها اتخذ الاشهار صورا مختلفة تماما عن الأشكال المعتادة استعمالها للتأثير على المستهلكين، ولقد جاء ذلك نتيجة لما حققته التكنولوجيا الرقمية من مزايا وابتكارات في مجال التواصل اللاسلكي[7].
ويقصد بالإشهار المضلل ذلك الإعلان الذي يكون من شأنه خداع المستهلك أو يمكن أن يؤدي إلى ذلك، والاعلام المضلل لا يذكر بيانات كاذبة ولكنه يصاغ في عبارات تؤدي إلى خداع الجمهور[8]. ويمكن تعريفه أيضا بأنه هو الذي يؤدي إلى تغليط المستهلك، سواء باستعمال الكذب أو بدونه عن قصد أو دون قصد حتى وإن كان بإهمال. فالإشهار المضلل يكون له طابع تضليلي، وهذا يعني أن طبيعته ومحتواه يؤدي إلى التغليط.
ونظرا للوسائل التكنولوجية الأكثر استعمالا والأكثر تأثيرا في تبليغ الوصلات الإشهارية كممارسة تجارية، وحتى يتمكن المستهلك من سلامة استعمال خدمات الاتصال دون التأثير من سلبياتها، لاسيما في جانب الإشهار التجاري، أوجب المشرع المغربي ضرورة الحصول على الموافقة المسبقة والحرة الصريحة للمستهلك لاستعمال بريده الالكتروني، بغرض الاشهار، والتقييد بمجموعة من الالتزامات نصت عليها المادة 23 من قانون 31.08[9].
وحماية للمستهلك الالكتروني باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية ألزم المشرع المغربي المورد على القيام بكل إشهار عن طريق البريد الالكتروني وذلك بالتزامه بمجموعة من الضوابط القانونية التي نصت عليه المادة 24 من قانون 31.08 وهي كالآتي:
·             تقديم معلومات واضحة ومفهومة حول حق التعرض في المستقبل على تلقي الإشهارات؛
·             تحديد وسيلة ملائمة لممارسة الحق المذكور بفعالية عن طريق البريد الالكتروني؛
·             استعمال العنوان الالكتروني للغير أو هويته؛
·             تزييف أو إخفاء معلومة تمكن من تحديد مصير الرسالة الموجهة عن طريق البريد الالكتروني أو مسار ارسالها.
تطبق أحكام هذه المادة كيفما كانت التقنية المستعملة للاتصال عن بعد. وكل خرق لهذه الأحكام تستوجب العقوبة الزجرية.
ثانيا: عناصر الإشهار المضلل
حتي يتحقق  الاشهار المضلل أو الكاذب، فإنه يتم عن طريق الخداع لتنصب على مجموعة من العناصر التي نصت عليه المادة 21 من ق ح م وهي كالتالي:
·             أن ينصب الخداع على طبيعة ومميزات المنتوج أو الخدمة؛
·             أن ينصب الخداع على تركيب محتوى المنتوج أو الخدمة المفيدة؛
·             أن ينصب الخداع على نوع ومنشأ وكمية وتاريخ صنع المنتوج؛
·             أن ينصب الخداع على صفة المهني؛
·             أن ينصب الخداع على ثمن النتوج أو السلعة.
وجريمة الإشهار لا تقوم إلا إذا تعلق التضليل بواحدة أو أكثر من العناصر المحددة قانونا، كما يتعين على القاضي أن يحدد العنصر أو العناصر التي وقع فيها التضليل معتمدا في تقديره للإشهار المضلل وهو ذاك الذي يقع بين الإشهار الصادق والإشهار الكاذب، على أحد المعيارين وهما، المعيار الذاتي[10] أو المعيار الموضوعي[11].
ومما لا شك فيه فإن المساس بمؤسسة الإشهار هو مس بالنظام العام الاقتصادي، وبالتالي من الواجب إرساء مجموعة من العقوبات التي تخص كل مورد لم يحترم الضوابط القانونية المحددة قانونا، وهذه المسؤولية قد تكوم مدنية أو جنائية.
فمن ناحية المسؤولية المدني للمعلن فيمكن الاستناد على القواعد العامة لعيوب الرضا وتحديدا الغلط والتدليس[12] حتى يستفيد المستهلك الالكتروني من حقه في التعويض إذا كان أمكن ذلك وقبله بإبطال العقد، إلا أن الارتكاز على هذه القواعد لا يعد ممكنا ألا إذا كان هناك عقد يجمع بين المهني والمستهلك، وبالتالي فيجب أن يكون الإشهار قد أتى أكله وأدى إلى خلق رابطة عقدية بين هذين الطرفين[13].
أما العقوبة الجنائية فقد سن القانون 31.08 العقوبات المتعلقة بالإشهار، ولكن ما يخصنا هو الإشهار بواسطة تقنية الاتصال عن بعد، والذي لا يراعي أحكام المادة 23 و24 فيعاقب مرتكبه بغرامة تتراوح بين 10.000 و50.000 درهم ويمكن الحكم أيضا بعقوبة إضافية تتمثل في نشر أو تعليق الحكم الصادر بالإدانة[14].


المطلب الثاني: حماية المستهلك بعد إبرام العقد الإلكتروني
لم يحد المشرع المغربي حماية المستهلك في مرحلة ما قبل التعاقد فحسب، بل أرسى مجموعة من الضمانات الأخرى والتي تحمي المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية سواء التقليدية أو الإلكترونية، لذلك سنحاول تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين، حق المستهلك الالكتروني في التراجع (الفقرة الأولى)، بالإضافة إلى إلغاء الشروط التعسفية في العقد الاستهلاكي الالكتروني (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: حق المستهلك الالكتروني في التراجع
يعتبر الحق في التراجع أو العدول أحد الآليات لحماية المستهلك بعد إبرامه للعقد الالكتروني، فبمجرد ممارسة هذا الحق من طرف المستهلك الالكتروني يصبح العقد المبرم منعدما، يصبح كأن لم يكن وبالتالي لن ينتج أي أثر في المستقبل. وفي هذا الصدد سنتناول  مجال تطبيق الحق في التراجع (أولا)، ثم بعد ذلك لآثار ممارسة الحق في التراجع (ثانيا).
أولا: مجال تطبيق الحق في التراجع
قبل أن نخوض الحديث والتفصل في مجال تطبيق الحق في التراجع، لابد أن نشير إلى تعريف هذا الأخير، وكما هو معلوم، يعتبر الحق في التراجع كأحد المستجدات التي جاء بها قانون 31.08، وقد لفت الانتباه بشكل كبير لعدد كبير من المهتمين بمجال حماية المستهلك.
ويعرف الحق في التراجع في أنها إمكانية المستهلك بإعادة النظر في العقد الذي أبرمه والعدول عنه خلال مدة محددة تختلف باختلاف محل العقد[15] حيثإن قانون 31.08 في مادته 36 قد حدد للمستهلك أجل ممارسته للعدول، سبعة أيام كامة لممارسة حقه في التراجع. وثلاثين يوما لممارسة حقه في التراجع في حالة ما لم يف المورد بالتزامه بالتأكيد الكتابي للمعلومات المنصوص عليها في المادتين 29 و32 وذلك دون الحاجة إلى تبرير ذلك أو دفع غرامة باستثناء مصاريف الإرجاع إن اقتضى الحال. تسري الآجال المشار إليها في الفقرة السابقة ابتداء من تاريخ تسلم السلعة أو قبول العرض فيما يتعلق بتقديم الخدمات. تطبق أحكام هذه المادة مع مراعاة أحكام المادتين 38 و42.
ومن ناحية نطاق تطبيق الحق في التراجع[16] نجد أن المشرع المغربي تعرض لنطاق تطبيق حق التراجع من خلال تطرقه لجملة من الاستثناءات التي وردت في المادة 38 من القانون 31.08، وكذلك جاءت في الفقرة الأخيرة من المادة 36 من نفس القانون التي نصت " ...تطبق أحكام هذه المادة مع مراعاة أحكام المادتين 38 و42" كل هذا يوضح اتساع نطاق هذا الحق ليشمل جميع العقود الاستهلاكية سواء تلك التي تعتمد على الوسائل العادية أو الإلكترونية، لكن المشرع من خلال المادة 42 يستثني من العقود التي تتم عن طريق وسائل الاتصال عن طريق الأنترنيت من نطاق ممارسة حق التراجع، حيث استثنى بعض السلع والخدمات من ممارسة حق التراجع كخدمات التزويد بسجلات سمعية أو بصرية، أو الجرائد أو المجلات، أو السلع السريعة التلف، أو التي صنعت خصيصا للمستهلك بحسب المواصفات التي يطلبها[17].
وفي هذا الإطار نصت المادة 38 من قانون 31.08 على ما يلي "لا يمكن أن يمارس حق التراجع إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك في العقود المتعلقة بما يلي:
·             الخدمات التي شرع في تنفيذها بموافقة المستهلك قبل انتهاء أجل السبعة أيام كاملة؛
·             التزويد بالمنتوجات أو السلع أو الخدمات التي يكون ثمنها أو تعريفتها رهينا بتقلبات أسعار السوق المالية؛
·             التزويد بالسلع المصنوعة حسب مواصفات المستهلك أو المعدة له خصيصا أو التي لا يمكن بحكم طبيعتها إعادة إرسالها أو تكون معرضة للفساد أو سريعة التلف؛
·             التزويد بتسجيلات سمعية أو بصرية أو برامج معلوماتية عندما يطلع عليها المستهلك؛
·             التزويد بالجرائد أو الدوريات أو المجلات.
ثانيا: آثار ممارسة الحق في التراجع
يحق للمستهلك بعد ممارسته لحقه في الرجوع في إطار العقود الإلكترونية، إما باسترداد المبالغ المدفوعة، أو حق في استبدال المنتوج بغيره.
نصت المادة 37 من قانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك "عند ممارسة حق التراجع، يجب على المورد أن يرد إلى المستهلك المبلغ المدفوع كاملا على الفور وعلى أبعد تقدير داخل الخمسة عشر يوما الموالية للتاريخ الذي تمت فيه ممارس الحق المذكور. وبعد انصرام الأجل المذكور تترتب، بقوة القانون، على المبلغ المستحق فوائد بالسعر القانوني المعمول به.
ولكن الإشكال الذي نطرحه في هذا الصدد هو أن المشرع لم يتطرق بالبتة إلى تحديد كيفية وطريقة استرداد المبلغ المدفوع، لأن بعض الموردين يعملون على اللجوء على رد المبلغ في شكل قسيمة شراء الشئ الذي يجعل المستهلك في حالة تبعية للمورد.
وفي حالة رفض المورد برد المبلغ المدفوع فإنه يعاقب بالغرامة من 1200 إلى 50.000 درهم كما جاء ذلك في المادة 178 من قانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك.
بالإضافة إلى أثر استرداد المبالغ المدفوعة، يتمثل الأثر الآخر في استبدال المنتوج أو السلعة أو الخدمة، حيث نص الفصل 41 من قانون حماية المستهلك "يمكن للمورد أن يوفر منتوجا أو سلعا أو خدمة تكون لها نفس الجودة ونفس الثمن إذا كانت هذه الإمكانية معلن عنها قبل إبرام العقد أو منصوص عليها في العقد بصورة واضحة ومفهومه. وفي هذه الحالة، يتحمل المورد مصاريف الإرجاع المترتبة عن ممارسة حق التراجع، ويجب أن يخبر المستهلك بذلك.
غير أن الإشكال الذي نطرحه في هذا الصدد هو أن المستهلك في هذه الحالة إذا توافرت الشروط السالفة الذكر لا يمكن أن يطالب باسترداد المبلغ المدفوع، إذا هذا فيما يخص الشق الأول عن الحماية المقررة للمستهلك الإلكتروني أثناء تنفيذ العقد.
الفقرة الثانية: إلغاء الشروط التعسفية في العقد الاستهلاكي الإلكتروني
يجمع بين المورد والمستهلك علاقة تعاقدية، سواء كان تقليديا أو إلكترونيا، ونظرا للوضعية الاقتصادية التي يتميز بها المورد على المستهلك الضعيف، قد يلجأ المورد إلى زعزعة مبدأ التوازن بينه وبين المستهلك، وذلك عن طريق إدراجه شروط تعسفية تمس بمصلحة المستهلك. وعليه سنتطرق لتوضيح مفهوم الشروط التعسفية (أولا)، ثم إلى إلغائها (ثانيا).
أولا: مفهوم الشروط التعسفية
يمكن تعريف الشرط التعسفي بأنه الشرط الذي يؤدي إلى اختلال في حقوق والتزامات المتعاقدين على حساب المستهلكين، أو هو الشرط المحرر مسبقا من جانب الطرف الأكثر قوة ويمنح لهذا الأخير ميزة مفرطة على حساب الطرف الآخر، كما تم تعريفه كونه كل شرط محرر مسبقا وبشكل منفرد من طرف المهني في عقد إذعان مبرم بينه وبين المستهلك، ويسبب لفائدة المهني عدم توازن مفرط في حقوق والتزامات الطرفين[18].
وعليه، يعتبر شرطا تعسفيا كل شرط يفرض على المستهلك من طرف المهني نتيجة تعسف هذا الأخير في استعمال سلطته الاقتصادية بهدف الحصول على ميزة مجحفة، ويمكن التمييز بين نوعين من الشروط التعسفية:
النوع الأول: شروط تعسفية بذاتها حيث يظهر التعسف واضحا منذ إدراجها في العقد، وقد تصدت لها أغلب التشريعات بنصوص قانونية.
النوع الثاني: شروط تعسفية بحكم استعمالها وهي شروط عادية لا يظهر فيها التعسف عند إدراجها في العقد وإنما عند التطبيق، لذلك فهي أخطرمن النوع الأول، كما أنها تنبني على صفة النسبية، إذ تختلف من عقد لآخر لذلك فأمر تقديرها يجب أن يترك للقضاء[19].
ويقوم الشرط التعسفي على مبدأين وهما:
1.         الامتياز المجحف: ليكون الشرط تعسفيا أن تكون فيه مصلحة للطرف المورد، وذلك باختلال الالتزامات المتبادلة بينه وبين المستهلك، مما يؤدي إلى عدم تناسب وتساوي الالتزامات التعاقدية، صحيح أن الإنسان يسعى لتحقيق الربح من التعاقد لكن بالكيفية المطلوبة وليس أن يكون مبالغا فيه.
2.         التعسف في استعمال القوة الاقتصادية: إن القانون وإن كان يعترف للمهني بإمكان فرض شروطه على المستهلك، إلا أنه يمنع عليه في الوقت نفسه أن يستغل هذه السلطة على حساب المستهلك، خاصة وأن المتعاقدان ليس لهما نفس الوضع الاقتصادي، فالمورد قوي والمستهلك ضعيف[20]. وهذا ما يخول للمورد استعمال سلطته الاقتصادية خاصة وأن المستهلك يجد نفسه أمام خياران: إما الإذعان لهذه الشروط التعسفية وما يصاحبها من نتائج سلبية أو الامتناع عن التعاقد. وتحرير الشروط التعسفية في عقود الاذعان يتم من جانب واحد وهو المهني[21].
ثانيا: إلغاء الشروط التعسفية في العقد الاستهلاكي الالكتروني
يجب على المستهلك بصفة عامة المتضرر من جراء وجود شرط تعسفي في إطار عقد استهلاكي اللجوء إلى القضاء المختص من أجل المطالبة بإلغائه، فحسب المادة 19 من قانون 31.08  تنص يعتبر باطلا ولاغيا الشرط التعسفي الوارد في العقد المبرم بين المورد والمستهلك. وبالتالي يحق للمستهلك أن يرفع الدعوى ضد المورد أمام القضاء المدني.
وقد أشارت المادة 18 من نفس القانون إلى مجموعة من النماذج التي يمكن أن نكون بمثابة شروط تعسفية في إطار عقود الاستهلاك بصفة عامة من بينها إلغاء حقوق المستهلك القانونية أو الحد منها بشكل غير ملائم إزاء المورد أو طرف آخر في حالة عدم التنفيذ الكلي أو الجزئي أو التنفيذ المعيب من لدن المورد لأي من الالتزامات التعاقدية، بما في ذلك إمكانية مقاصة دين للمورد على المستهلك بدين قد يستحقه هذا الأخير على المورد.
ويعتبر الحق في ممارسة الدعوى من صميم الأهداف التي أنشأت من أجلها قواعد قانون الاستهلاك، فالمستهلك عندما يقوم بإبرام العقد يغلب عليه الاعتقاد بأنه ملزم بكل الشروط التي يتضمنها وبأن تصرفاته لا تصح إلا بالالتزام بها لا إلى درجة أنه لا يفكر تماما في مراجعتها، أو التفاوض بشأنها، أو المطالبة بإلغائها، وهو الأمر الذي يؤكد عدم معرفته بالإجراءات القانونية التي تضمن له حرية اتخاذ القرار والاختيار في المعاملات التعاقدية[22].
وتجدر الإشارة إلى أن عبء الإثبات يقع على عاتق المورد، وذلك بدليل المادة 34 من قانون 31.08 التي نصت " في حالة حدوث نزاع بين المورد والمستهلك، يقع عبء الإثبات على المورد خاصة فيما يتعلق بالتقديم المسبق للمعلومات المنصوص عليها في الماة 29 وتأكيدها واحترام الآجال وكذا قبول المستهلك. يعتبر كل اتفاق مخالف باطلا وعديم الأثر.
وصفوة القول أنه نظرا للمخاطر والمعاناة التي قد تعترض الطرف الضعيف قي العقد الاستهلاكي الالكتروني فقد سن المشرع المغربي من خلال مقتضيات القانون رقم 31.08 مجموعة من الضمانات القانونية والقضائية التي تهدف إلى إقرار نوع من الحماية لهذه الفئة وتوفير الأمن التعاقدي الالكتروني وذلك عن طريق محاولة التوفيق بين مصالح الطرفين دون تغليب واحد على الآخر[23].
وفي الأخير لا يسعنا إلا أن نشيد المشرع المغربي على مجهوداته التي تمثلت في إرساء مجموعة من الآليات التي تهدف إلى حماية المستهلك الذي يلبي حاجياته عبر شبكة الأنترنيت، وهذه الحماية لا تقتصر فقط في قانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، وإنما سيمتد لمجموعة من القوانين الأخرى التي يمكن أن تكون في المستقبل محل دراسة شأنها شأن قانون 31.08.


[1]- ظهير شريف رقم 1.11.03 صادر في 14 من ربيع الأول 1432 (18 فبراير 2011) بتنفيذ القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير حماية المستهلك. نشر بالجريدة الرسمية عدد 5932 بتاريخ جمادى الأولى 1432 (7 أبريل 2011)، ص 1072.
[2]- قانون رقم 53.05 يتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف 1.07.129 بتاريخ 30 نوفمبر 2007. منشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6 دجنبر2007، ص 3879.
[3]المهدي ابن شقرون، "حماية المستهلك في عقد البيع عن بعد"، بحث نهاية التكوين بسلك الماستر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ابن زهر، أكادير، 2015، ص 74.
[4]- محمود الخمرتي، "حماية المستهلك في العقد الابتدائي"، بحث لنيل دبلوم الماستر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بحامعة مولاي إسماعيل، مكناس، 2016/2017، ص 49.
[5]- محمد جحا، "حماية المستهلك الالكتروني على ضوء مقتضيات قانون رقم 31.08"، مجلة الممارسات القانونية والقضائية، العدد الثالث، أبريل 2019، ص 53.
[6]- بدر منشيف، " حماية المستهلك في العقد الالكروني"، المجلة العربية، العدد مؤلف جماعي حول حماية المستهلك، مطبعة فارير سطات، الطبعة الأولى، 2020، ص 325 و326.
[7]- مهدي منير، " المظاهر القانونية لحماية المستهلك"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة، 2004/2005، ص 323.
[8]-  محمد جحا، "حماية المستهلك الالكتروني على ضوء مقتضيات قانون رقم 31.08"،مرجع سابق، ص 50.
[9]- في هذا الصدد نصت المادة 176 من ق ح م "يعاقب بالغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم المورد الذي يقوم بكل إشهار كيفما كانت تقنية الاتصال عن بعد وذلك دون مراعاة أحكام المادتين  23 و24".
[10]-  المتمثل في الشخص المتلقي.
[11]- المتمثل في الشخص العادي الذي يمثل جمهور الناس.
[12]- وللتفصيل أكثر في عيوب الرضا راجع كتاب، نزهة الخلدي، "الموجز في النظرية العامة للالتزامات"، مطبعة تطوان، 2016، ص 68 وما يليها.
[13]- محمد جحا، "حماية المستهلك الالكتروني على ضوء مقتضيات قانون رقم 31.08"، مرجع سابق، ص 52.
[14]- أنظر المادة 176 من القانون رقم 31.08، القاضي بتحديد تدابير حماية المستهلك.
[15]- المهدي ابن شقرون، "حماية المستهلك في عقد البيع عن بعد"، مرجع سابق، ص 109.
[16]- يتميز الحق في التراجع عن مهلة التفكير في كون أن مهلة التفكير هو تقرير مزيد من الضمانات للمستهلك، باعتباره الطرف الضعيف في عقد البيع، وهذه الحماية تبرز من خلال جعل مدة المهلة فترة تأمل وتفكير قبل إبرام العقد، فلا يتم انعقاده إلا بعد انقضاء هذه المدة والتي غالبا ما تحدد في سبعة أيام.  في حين أن التراجع لا يمكن ممارسته إلا في إطار عقد تم إبرامه، وترتبت آثاره تجاه كل من المستهلك والمهني، ولا يملك فيه المستهلك إلا استمرار في العقد وتحمل آثاره أو التراجع عنه وبالتالي يعود طرفاه إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد.
[17]-  بدر منشيف، " حماية المستهلك في العقد الالكتروني"، مرجع سابق، ص 337.
[18]نزهة الخلدي، "الحمايةالمدنية للمستهلك ضد الشروط التعسفية _عقد البيع نموذجا_"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، جامعة محمد الخامس الرباط، 2004/2005، ص 52 و53.
[19]- محمد المسلومي، "حماية المستهلك من الشروط التعسفية أثناء التعاقد"، مجلة الملف، العدد الثامن، أبريل 2006، ص 166.
[20]- محمد المسلومي، "حماية المستهلك من الشروط التعسفية أثناء التعاقد"، مرجع سابق، ص 167.
[21]- إن التحرير المسبق لعقود الإذعان من طرف المهني يشكل في الواقع ممارسة لسلطة واقعية وليس حقا ذاتيا.
[22]- مهدي منير، " المظاهر القانونية لحماية المستهلك"، مرجع سابق ص 233.
[23]-  محمد جحا، "حماية المستهلك الالكتروني على ضوء مقتضيات قانون رقم 31.08"، مرجع سابق، ص 65.

تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أنت الزائر رقم