التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الامتيازات الممنوحة للأجير المغربي بمقتضى اتفاقيات الضمان الاجتماعي

                                 






         من انجاز الطلبة الباحثين:                                           تحت إشراف:
              أمين عزار                                                     د: محمد بنحساين
             حمزة مرون
            ياسين يوسف
             ابراهيم جدار
             يوسف العاتق
            عبد الصبور البقالي
            زكرياء تقيشت
           
المقدمة.
    تعتبر الحماية الاجتماعية أو الضمان الاجتماعي من بين أهم و أبرز الحقوق المقررة للأجير بمقتضى أسمى المواثيق الدولية.
   و إذا كانت مدونة الشغل  تعتبر ضمن حزمة النصوص الأكثر تطورا التي شهدها المغرب في العقود الأخيرة نظرا لما جاءت به من آليات و ضمانات قانونية لحماية الأجير، فإنها مع ذلك لم تتضمن أي نص قانوني يشير إلى كيفية استفادة الأجير  من الامتيازات المقدمة من طرف الضمان الاجتماعي. و أنما تركت ذلك للقانون المنظم لصندوق الضمان الاجتماعي .
   و بالرجوع إلى هذا الأخير نجده وعلى غرار مدونة الشغل قد جاء بالعديد من الامتيازات ذات الطابع الاجتماعي قصد توفير نوع من الحماية الاجتماعية للأجير، كما أنه بيين الكيفية والشروط اللازمة للاستفادة من هذه الامتيازات. بيد أنه و بصرف النظر عما جاء به هذا القانون من امتيازات فإنه بالمقابل أغفل التنصيص على كيفية أو مدى امكانية استفادة الأجراء المغاربة الذين يعملون بالخارج من هذا الامتيازات. عكس ما هو عليه الحال في بعض الأنظمة القانونية العربية المقارنة كالقانون التونسي و القانون المصري اللذان ينصان صراحة على أنه يمكن للأجير الذي يعمل خارج التراب الوطني أن يستفيد من الامتيازات التي يقدمها صندوق الضمان الاجتماعي و ذلك عن طريق تقديم اشتراكاته في الصندوق.
   و أمام هذا الفراغ التشريعي فقد حاولت الدولة المغربية  التصدي للإشكالية المتولدة عن هذا الفراغ التشريعي و المتمثلة في مدى امكانية استفادة الأجراء المغاربة من امتيازات الضمان الاجتماعي؟ و ذلك من خلال العمل على ابرام العديد من الاتفاقيات الثنائية مع مجموعة من الدول التي تحتضن الأجراء المغاربة و التي تتضمن مجموعة من المبادئ على رأسها مبدأ المعاملة بالمثل، كما تتضمن مجموعة من الامتيازات و كل ذلك في سبيل تحقيق نوع من الحماية الاجتماعية لهذه الفئة .
     و إذا كانت الاتفاقيات الثنائية المبرمة من طرف الدولة المغربي في إطار صندوق الضمان الاجتماعي هي السبيل الوحيد للأجراء المغاربة للاستفادة من الضمان الاجتماعي، فإن ذلك يبقى رهين على مدى امكانية تفعيل هذه الاتفاقيات و تنزيلها على أرض الواقع، وبخاصة إذا ما علمنا أن جل القوانين الوطنية تعمل على توفير الحماية الازمة لمواطنيها على حساب المهاجرين إليها، منتهجتا في ذلك سياسة الوطنية و القومية و يتجلى ذلك في تغليب مصالح مواطنيها على مصالح المهاجرين وتبرز هذه المسألة على مستوى الاستفادة من امتيازات الضمان الاجتماعي في تعليقها لهذه الاستفادة على توفر مجموعة من الشروط والضوابط من بينها نجد ضابط الجنسية وضابط الإقامة الفعلية إلى جانب مجموعة من الشروط الأخرى، الشيء الذي يطرح معه سؤال؛ كيف يمكن تجاوز هذه الشروط؟.
    وعلاوة على ما سبق لا يخفى علينا أن إعمال و تنزيل الاتفاقيات الثنائية منها و المتعددة الأطراف في جميع المجالات لا تخلو من الصعوبات إذ تواجهها مجموعة من الاكراهات، الشيء الذي يتطلب المزيد من التنسيق بين مختلف الأنظمة القانونية الوطنية لتحقيق الهدف المنشود من وضع القواعد القانونية و المتمثل في حماية المواطنين، الأمر الذي يبقى مغلفا بصعوبة كبيرة في ظل غياب آلية قانونية وفعلية تلزم الدول على تنفيذ تعهداتها الدولية.
    وانطلاقا من هذه الأرضية فإننا نتساءل عن مدى امكانية استفادة الأجراء المغاربة من الامتيازات الممنوحة من صندوق الضمان الاجتماعية على ضوء اتفاقيات صندوق الضمان الاجمتاعي، و ذلك من خلال طرح الاشكالية التالية:
    اتفاقيات صندوق الضمان الاجتماعي، أي حماية للأجراء المغاربة بالخارج؟
   و وفاء منا للمنهج المتبع في الجامعات المغربية فإننا سنحاول معالجة هذه الإشكالية من خلال التصميم الذي سيتم تسطيره كالتالي:


  المبحث الأول: شروط استفادة الأجراء المغاربة بالخارج من امتيازات صندوق الضمان الاجتماعي.
المبحث الثاني:واقع استفادة الأجراء المغاربة من امتيازات الضمان الاجتماعي وفق الاتفاقيات الثنائية.

المبحث الأول: شروط استفادة الأجراء المغاربة بالخارج من امتيازات صندوق الضمان الاجتماعي.
     لما كان للدول من السيادة ما يمكنها من سن قوانينها الوطنية بما يتماشى مع حاجياتها الوطنية و ما يخدم مصالحها بما فيها تلك القواعد المنظمة لكيفية الاستفادة من امتيازات الضمان الاجتماعي. فقد عملت جل الدول على وضع مجموعة من القواعد القانونية الؤطرة للحماية الاجتماعية المقررة للأجراء، جاعلة ذلك معلقا على ضرورة توفر مجموعة من الشروط ( المطلب الأول)، و إن كان الحال كذلك، فإن الدولة و باعتبارها جزءا من المنظومة الدولية لا يمكن لها ان تعمل خارج نطاق المجموعة الدولية، مما يفرض عليها ضرورة تحيين نصوصها القانونية بشكل يتماشى مع التزاماتها الدولية و ما تقتضيه المواثيق الصادرة عن المجتمع الدولي، و لعل من أبرزها تلك المتعلقة بالحماية الاجتماعية للأجير بغض النظر عن أي سبب يمكن أن يكون دريعة تحول دون إقرار الحماية الاجتماعية له( المطلب الثاني).
المطلب الأول: شروط استفادة الأجراء المغاربة بالخارج من امتيازات الضمان الاجتماعي
   لا مراء أن الأجير المغربي غالبا ما يصطدم بثلة من الشروط القانونية التي تحول بينه وبين الاستفادة من منافع الضمان الاجتماعي خارج نطاق التراب الوطني استنادا على خصوصية السياسة التي تنهجها كل دولة في هذا الشأن.
  وتأتي في مقدمة هذه الشروط وجوب الإقامة الفعلية لاستحقاق الاستفادة (الفقرة الأولى)، بالإضافة لشرط المدة الدنيا من الإقامة (الفقرة الثانية)، فضلا عن شرط الجنسية (الفقرة الثالثة). ليبقى السؤال المطروح في هذا المقام يحوم حول شرعية هذه الشروط وسبل تجاوزها.
الفقرة الأولى: شرط وجوب الإقامة الفعلية.
   نص المشرع الفرنسي كنموذج بارز وأصيل في قانونه على أن الأجانب لا تتاح لهم إمكانية الانخراط في الضمان الاجتماعي إلا إذا كانوا في وضعية قانونية اتجاه تشريع الإقامة والعمل الخاص بالأجانب بفرنسا او كانوا يتوفرون على وصل طلب تجديد بطاقة الإقامة . ومن تم فالسياسة التي تنهجها فرنسا في هذا الصدد تبعث القلق وتطيح في الزلل من خلال وجوبية الإقامة الفعلية فوق تراب البلاد حتى تتسنى للأجير الانتفاع من امتيازات الضمان الاجتماعي  وما يستتبع ذلك من تقييد حرية الأجير في تحديد مكان إقامته وتقليص من احتمالية استفادته من عدمها وبالتالي إقصاء فئة مهمة من الأجراء. هذا وحتى المستفيدون من الإقامة الفعلية وتواليا من امتيازات الضمان الاجتماعي قد يستوقفهم حاجز عدم تجديد بطاقة الإقامة لسبب من الأسباب في الوقت المحدد. 
   هذا وقد يحصل أن يدفع الأجير اشتراكات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لإحدى الدول الأوربية، إلا أنه يفاجئ عند تحقق الظرف الموجب للاستفادة من منافع الضمان الاجتماعي بعدم إمكانية صرف التعويضات نظرا لانعدام إقامة قانونية.  
   واتخاذا لتوازي الطروح فالإقامة يشترط إلى جانب قانونيتها أن تكون فعلية بالتواجد الفعلي للأجير في بلد الإقامة وهو ما يعمل على تحطيم حلم الأجير المغربي بالخارج نظرا لرغبته الملحة في العودة للوطن والاستمتاع بما خلص لهم من معاشات تصرفها صناديق الضمان الاجتماعي.
الفقرة الثانية: شرط الجنسية
   إن اعتبار الجنسية  كشرط ضروري للاستفادة من منافع الضمان الاجتماعي بالنسبة للعمال المغاربة المقيمين بالخارج وأفراد أسرهم قد تم تجاوزه والاستغناء عنه ما يظهر جليا من خلال قرارات المحاكم الفرنسية التي ذهبت إلى تكريس مبدأ عدم التمييز القائم على الجنسية في مجال الضمان الاجتماعي الوارد بالفقرة الأولى من الفصل 41 من اتفاقية التعاون.
واهتمام المجلس الأوروبي بموضوع الضمان الاجتماعي أثمر إصدار القانون الأوروبي للضمان الاجتماعي . وهو ما جعل الدول الأوروبية لا تتقبل هذا الطرح لتفرض كل دولة على حدة قيودا طبقا لقوانينها الداخلية وعلى رأسها اشتراط الجنسية.
فنجد بذلك التشريع البلجيكي حصر الاستفادة من الحد الأدنى لوسائل العيش على البلجيكيين فقط وعلقت استفادة الأشخاص الحاملين لجنسية أجنبية من التعويض المسمى ضمان الموارد لفائدة الأشخاص المسنين لتوفرهم على الحق في معاشات الشيخوخة أو باقين على قيد الحياة بمقتضى النظام البلجيكي.  
   في حين نجد التشريع البرتغالي هو الآخر اشترط التمتع بالجنسية البرتغالية للاستفادة من التعويضات ذات الطابع الغر إسهامي, كالتعويض العائلي للأطفال والشباب  والزيادة في التعويض العائلي بسبب إعاقة الأطفال والشباب والتعويض عن مساعدة الغير...إلخ.
الفقرة الثالثة: شرط مدة التأمين
   لاستفادة الأجراء المغاربة المقيمين بالخارج من امتيازات الضمان الاجتماعي, فيجب فضلا عن توافر الإقامة الفعلية والقانونية وكذا شرط الجنسية توفر شروط تختلف من اتفاقية لأخرى فيما يتعلق بالتأمين : 
   فالنسبة لمعاشات الزمانة, فقد اشترطت الاتفاقية الثنائية الكندية ضرورة الاشتراك في نظام المعاشات بكندا في أي وقت منذ تطبيق هذا النظام سنة 1966, وكذلك بلوغ الشخص المستفيد65 عاما. وفي حالة تتم إقرار الاستفادة من التقاعد فإن نسبته سيتم خفضها بناء على عدد الأشهر التي تفصل بين الاستفادة من التقاعد وتاريخ بلوغ سن 65 عاما ويعتبر هذا التخفيض نهائيا. 
   أما الاتفاقية بين المغرب و الكبيك فقد اشترطت هي الأخرى الانخراط في نظام المعاشات لمدة سنة على الأقل وبلوغ الشخص 60 سنة على الأقل مع إمكانية زيادتها بنسبة % 0,7 عن كل شهر بعد تجاوز سن 65 سنة وبنسبة %42 كحد أقصى عند بلوغ 70 سنة.
  أما فيما يخص معاش الشيخوخة فإن الاتفاقية المغربية الكندية المشار إليها سلفا اشترطت بالخصوص الإقامة في كندا بصفة قانونية لمدة سنة على الأقل بعد سن 18 سنة وكذلك الاشتراكات قد دفعت بموجب التشريع المغربي لمل مجموعه 20 عاما على الأقل.
   وإذا ما سلطنا الضوء على الاتفاقية المغربية البرتغالية فقد اشترطت بلوغ الشخص 66 عاما و15 سنة من الاشتراكات متتالية او غير متتالية وتسجيل 120 يوما من الاشتراكات خلال سنة على الأقل. 
    إن ما يمكن استخلاصه مما سلف ذكره في معرض الحديث عن الشروط الواجب توفرها في الأجير حتى تتسنى له الاستفادة من امتيازات الضمان الاجتماعي هو اننا لا نلمس نصوصا قانونية وطنية في إطار قواعد الضمان الاجتماعي تضمن هذه الاستفادة ليبقى الملاذ الوحيد هو أمل الوجود اتفاقية تربط المغرب مع الدولة المقيم بها الاجير. وهذا القيد يشمل أيضا المهاجر المغربي الذي يعود إلى أرض الوطن, فهو لا يستفيد من أي تعويض بحجة عدم دفعه لأي اشتراكات للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
 المطلب الثاني: استفادة الأجراء المغاربة من الضمان الاجتماعي بناء على المواثيق الدولية.
     إن حماية الأجراء المهاجرين تقتضي تضافر الجهود بين التشريعات الدولية و ذلك في سبيل اعتماد نصوص قانونية كفيلة بوضع حد أدنى من الحماية للأجراء سواء كان ذلك فيما يخص الحقوق الشخصية أو تلك المتعلقة بالحقوق الاجتماعية ، و لأن تحقيق هذه الغاية يبقى موقوفا على مبدأ احترام  سمو المواثيق الدولية باعتبارها تمثل رغبة المجتمع الدولي في جعل القوانين الوطنية في خدمة هذا المبدأ.
   ولأن دراستنا في هذا الصدد تنصب حول مدى امكانية استفادة الأجراء المغاربة من الضمان الاجتماعي في بلد الإقامة، فأننا سنعمل على إبراز مدى امكانية استفادة الأجراء المغاربة من الحماية الاجتماعية وفق ما تمليه المواثيق الدولية على اعتبار أن القوانين الداخلية كما رأينا فيما سبق تعلق ذلك على تحقق مجموعة من الشروط.
   و سيرا على نفس المنوال فأننا سنعرض ما تتضمنته بعض المواثيق الدولية من نصوص حول الحماية الاجتماعية للأجراء و ذلك في فقرة أولى، على أن نعرج في فقرة ثانية على إبراز مظاهر الحماية التي كرسها عمل بعض المنظمات الدولية في إطار أنشطتها الحقوقية.
الفقرة الأولى: حماية الأجراء المغاربة وفق المواثيق الدولية 
   حاول المجتمع الدولي أن يعالج ظاهرة الهجرة  و ما ترتب عنها من أزمات اجتماعية من خلال العديد من الاتفاقيات الدولية و إصدار مجموعة من المواثيق، كان الهدف منها إقرار رزمة من الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية للشخص بصفته إنسان، ويتصدر قائمة هذه الحقوق الحق في الحماية الاجتماعية أو ما يعرف بالضمان الاجتماعي. 
    و قد انطلق المجتمع الدولي في معالجته لمعضلة الهجرة من خلال طرح سؤل في غاية الأهمية  و هو " هل يتمتع المهاجر بصفة عامة  و المهاجر العامل بصفة خاصة في بلد الإقامة بنفس الحقوق التي يتمتع بها العمال في بلدهم الأصلي؟.
     وعلى هذا الأساس فقد عرفت الحماية الدولية لحقوق المهاجرين تطورا كبيرا جاء بموازاة تطور وعي المجتمع الدولي بمشاكل الهجرة الدولية. 
   و بصرف النظر عن عما سبق، فإن القاعدة الأساسية تقضي بأن كل دولة بما لها من سيادة هي من تتولى وضع القواعد القانونية الخاصة بالضمان الاجتماعي  ، و لا تعتد في ذلك إلا بما تفرضه حاجاتها الخاصة قصد توفير الحماية لمواطنيها كاعتبار أساسي و أولي، دون مراعاة وضعية الأجير المهاجر الشيء الذي يحول ودون استفادتهم من امتيازات الضمان الاجتماعي في بلد الإقامة ، و لاسيما إذا ما علمنا أن جل الأنظمة القانونية للضمان الاجتماعي تأخذ بمبدأ الإقليمية.
     و لما كانت جل الدول تُخضع استفادة الأجراء المهاجرين من امتيازات الضمان الاجتماعي لمجموعة من الشروط كما رأينا ذلك ، فإنه لا يسعنا إلا الرجوع إلى تلك المبادئ الأساسية التي تحكم المواثيق و العهود الدولية و بخاصة تلك الصادرة عن المنظمات العالمية كمنظمة الأمم المتحدة و المتعلقة بحقوق الإنسان، و التي تعتبر مرجعا أساسيا في القانون الدولي للهجرة، و على هذا المبدأ سنحاول أن نعرض بعض أوجه الجماية المقررة للأجراء المهاجرين انطلاقا من وثيقة  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى جانب وثيقة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية.
1. الحماية المقررة من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
    إن الضمان الاجتماعي كمبدأ فلسفي و كقاعدة اجتماعية، نشأ في إطار الحركات الفكرية العمالية المصطبغة بصبغة دولية ، و لكن بروز هذه المبادئ إلى عالم الوجود كقاعدة قانونية في إطار وطني و ما ترتب عن ذلك من صعوبة استفادة المهاجرين من منافع الضمان الاجتماعي، فإنه من الضروري الرجوع إلى ما تقتضيه المواثيق الدولية قصد الرفع من الحد الأدنى من الحماية الازمة لهذه الفئة، و لعل من أهم الصكوك الدولية التي تسعى إلى تحقيق هذا الهدف نجد الإعلان  العالمي لحقوق الإنسان.
     باستقراء المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نجدها تنص على أن لكل إنسان الحق في التمتع بجميع الحقوق و الحريات الواردة في هذا لإعلان بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو لغته أو دينه أو أصوله الوطنية أو الاجتماعية أو الرأي سياسيا كان أم لا أو أي وضع آخر.
    و لعل ما يهمنا نحن في هذا الصدد هو العبارة الأخيرة الواردة في المادة المذكورة أعلاه و هي " ... أو أي وضع آخر " التي يتبين من خلالها أنه تمت هناك مجموعة من الحقوق الأخرى التي لا يجوز للاستفادة منها التميز بينة شخص و آخر كيفما كان السبب الذي يستند إليه هذا التمييز . 
    و بذلك يمكن القول أن تعليق الاستفادة من الحماية الاجتماعية في أي دولة من دول العالم على أي شرط كيفما كان ( الجنسية، الإقامة...) يعد لاغيا و لا أساس له من الصحة، و من تم فإن الشروط التي تفرضها دول الهجرة للاستفادة من منافع الضمان الاجتماعي يجب تجاوزها، و تمكين الشخص من هذه الحماية بصفته عضوا في المجتمع ، الشيء الذي يعني أن له الحق في مستوى معيشي يضمن له العيش الكريم  و لاسيما ما يتعلق بالعناية الطبية و الخدمات الاجتماعية الضرورية.  
    هذا و تجدر الإشارة إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و إن كان لا يرقى إلى درجة الإلزام، فإن ذلك لا يجب أن ينتقص من قيمته شيء، و إنما وجب الأخذ به كأداة لدعم استفادة الأجراء المهاجرين من الضمان الاجتماعي في بلد الإقامة، دون الحاجة إلى التذكير بأن جل دساتير دول العالم تقر بسمو المواثيق الدولية على تشريعاتها الوطنية.
2. الحماية المقررة من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية.
    يعتبر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية معاهدة دولية متعددة الأطراف، تم اعتمادها من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، عرضت للتوقيع والتصديق الإنضمامي في 16 دجنبر 1966 و أصبحت سارية المفعول ابتداء من تاريخ 3يناير 1976، و تتكون من 31 مادة تضمنت مجموعة من الحقوق و الحريات، و من أبرزها نجد الحق في التمتع بشروط عمل عادلة و مرضية، و الحق في تشكيل النقابات و الإنضمام إليها، بالإضافة إلى الحق الإضراب و كذا الحق في الضمان الاجتماعي إلى جانب ثلة من الحقوق الآخرى .
   وقد جاء في المادة الثانية من العهد الدولي الخاص ب الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والتقافية ، على أن الدول الأطراف تتعهد بضمان ممارسة الحقوق المنصوص عليها في العهد دون أي تميز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو غير ذلك من الأسباب.
    واستنادا إلى هذا المقتضى فإن الدول تتعهد  بأن لا يكون لها أي تأثير على ممارسة الحقوق التي يضمنها العهد، و ألا يصدر منها أي تميز في تمتيع الشخص بهذه الحقوق ولو كان يقيم خارج وطنه و بكيفية غير مشروعة.
    و باستقراء مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية نجد المادة التاسعة منه تنص على ما يلي " تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في الضمان الاجتماعي، بما في ذلك التأمينات الاجتماعية" بينما جاء في المادة الثانية عشرة ما يلي " تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية و العقلية...". وهذا يعني أن الأطراف في العهد تقر بحق الشخص المتواجد خارج بلده في الاستفادة من منافع الضمان الاجتماعي، و هذا مما لاشك فيه يشكل نوعا من الحماية للأجير المهاجر.
   و تأسيسا على ما سبق يمكن القول أنه تم إقرار المزيد من الضمانات للأجير المهاجر ضد التجاوزات  و الخروقات التي يمكن أن يكون ضحية لها عند ممارسة السياسة الداخلية لبلد الإقامة، و من ذلك تعليق الحماية الاجتماعية بتوفر مجموعة من الشروط والضوابط
  الفقرة الثانية: استفادة الأجراء المغاربة من الضمان الاجتماعي بناء على الصكوك الصادرة عن منظمة العمل الدولية.
      بعدما بينا في الفقرة الأولى من هذا المطلب مدى امكانية استفادة الأجراء المغاربة من امتيازات الضمان الاجتماعي استنادا إلى بعض المواثيق الدولية " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية "، و ذلك عن طريق تجاوز الشروط التي تضعها التشريعات الوطنية قصد الاستفادة من الضمان الاجتماعي، لكونها لا تتماشى في مضمونها مع ما تنص عليه الصكوك الدولية.
   ولأن المعاهدات الدولية لوحدها غير كافية لتحقيق الحماية اللازمة للأجراء المهاجرين، فإنه يتوجب البحث عن مصدر آخر قصد تعزيز هذه الحماية، الشيء الذي يدفعنا إلى الاستعانة بنشاطات بعض المنظمات الدولية، باعتبار هذه الأخيرة جزء من المجموعة الدولية، و التي تسعى بدورها إلى اضفاء الصبغة الالزامية على الصكوك الصادرة عنها من بوابة الشرعية الدولية.
    و لعل من أبرز المؤسسات الدولية التي اهتمت بمسألة الدفاع عن حقوق الطبقة الشغيلة، نجد منظمة العمل الدولية، و في سبيل إبراز مظاهر الحماية في المواثيق الصادرة عن هذه المنظمة سنعرض على بعض بعض الاتفاقيات الصادرة عنها.
   أولا و قبل الوقوف على أوجه الحماية المقررة في الاتفاقيات الصادرة عن منظمة المعل الدولية، لا بد من التعريف بهذه المنظمة .
    تأسست منظمة العمل الدولية سنة 1919، مقرها في مدينة جنيف "سويسرا"، و تقوم مرجعية هذه المنظمة على مبدأ دستوري أساسي و هو السلام العادل و الدائم، و الذي لايمكن أن يتحقق إلا إذا استند على العدالة الاجتماعية. 
   هذا وقد ساعدت منظمة العمل الدولية في تحديد السمات المميزة للمجتمع الصناعي ، ويثمل ذلك في الدور الكبير الذي لعبته في تحديد ساعات العمل في ثماني ساعات، كما أنها  ساعدت في رسم سياسات التشغيل، كما نادت بضرورة الاهتمام و انصاف فئة العمال الذين يتعرضون للاستغلال و التميز. و في سبيل تحقيق تحقيق كل ما سبق ذكره وجهت المنظمة غايتها باتجاه وضع قواعد تحمي العمال المهاجرين، الشيء الذي تجسد في اصدار مجموعة من الاتفاقيات،. و التي سنقف عند البعض منها بشكل من التفصيل.
  الاتفاقية رقم 118.
     جاء في المادة الثالثة من الاتفاقية  118 أعلاه مايلي " على كل دولة عضو تسري عليها الاتفاقية، أن تتكفل على أراضيها لرعايا أي دولة عضو أخرى تكون هذه الاتفاقية نافذة بالنسبة لها أيضا، مساواتهم في المعاملة مع رعاياها بموجب تشريعها فيما يتعلق بكل من التغطية و الحق في الإعانات بخصوص كل فرع من فروع الضمان الاجتماعي قبلت بشأنه الالتزامات الناشئة عن هذه الاتفاقية." 
  بينما جاء في الفقرة الأولى من المادة الرابعة من نفس الاتفاقية على أنه " تُكفل المساواة في المعاملة فيما يتعلق بمنح الاعانات دون اشراط الإقامة..."
     وانطلاقا من المادتين أعلاه يتبين أنه يتوجب على الدول الأعضاء التي تسري عليها الاتفاقية أن تعمل على المساواة بين المواطنين و غير المواطنين في مسألة الانتفاع من مزايا الضمان الاجتماعي.
     وإذا كان إعمال مقتضيات الاتفاقية أعلاه يساعد في رفع و تجاوز كل شرط من شأنه أن يحد من الاستفادة من الحماية الاجتماعية بموجب القوانين الوطنية لإحدى الدول الأعضاء في الاتفاقية، فإن ذلك لن يتأتى للأجراء المهاجرين إلا بمصادقة دولتهم على الاتفاقية. و على اعتبار أن المغرب لم يصادق  على الاتفاقية المذكورة فإن ذلك يعني الأجراء المغاربة لا يمكن لهم الاستفادة من مقتضيات هذه الاتفاقية إلا بعد أن يصبح المغرب عضوا فيا.
     غير أنه و إن كان المغرب لو يصادق على هذه الاتفاقية فإنه لحسن حظ المغاربة أن المغرب أبرم اتفاقا يسمى اتفاق التعاون مع الدول الاتحاد الأوربي، وقد تضمن هذا الاتفاق نصا جاء فيه " المساواة التامة في المعاملة في مجال الضمان الاجتماعي بين المواطنين الأوربيين و العمال المغاربة و أفراد أسرهم المنتقلون فوق تراب إحدى الدول الأوربية". 
  الاتفاقية رقم 97 .
      باستقراء مواد الاتفاقية  رقم 97 ، يتبين أنها تضمن توصيات ذات طبيعة نبيلة، إذ أنها نادت من خلال مادتها الرابعة  إلى أن كل دولة من الدول الأعضاء يجب أن تعمل على اتخاذ في حدود سلطتها القضائية التدابير الازمة لتسهيل مغادرة و استقبال العمال المهاجرين .
     غير أن ما يهمنا في هذا الصدد ما جاء في المادة السادسة من الاتفاقية حيث جاء فيها " تتعهد كل دولة عضو في تسري عليها الاتفاقية بأن تتيح دون تمييز على أساس الجنسية، أوالعرق، أو الديانة، أو الجنس، للمهاجرين الوافدين الموجودين بصورة قانونية على أراضيها  معاملة لا تقل مواتاة عن المعاملة التي تتيحها لمواطنيها و ذلك بالنسبة لمايلي:
...
...
الضمان الاجتماعي، أي الأحكام القانونية المتعلقة بإصابات العمل، الوضع، والمرض، والعجز، و الشيخوخة،  الوفاة، والبطالة، و المسؤوليات العائلية، و أي حالة يغطيها نظام الضمان الاجتماعي وفقا للقوانين أو اللوائح الوطنية..."
   و على هذا الأساس تكون المادة السادسة أعلاه قد كرست مبدأ في غاية الأهمية و المتمثل في مبدأ المعاملة بالمثل و الذي يحكم جل الاتفاقيات الدولية ولاسيما الثنائية منها، كما أنها عملت على حفظ حق الاستفادة من امتيازات الضمان الاجتماعي مع صرف النظر في ذلك عن أي سبب كان.  



المبحث الثاني: واقع الاستفادة الأجراء المغاربة من منافع الضمان الاجتماعي وفق الاتفاقيات الثنائية. 
    لقد دخلت الدولة المغربية في سياق البحث عن توفير الحماية الاجتماعية للأجراء المغاربة الذين يشتغلون بالخارج، و ذلك عن طريق ابرام العديد من الاتفاقيات الثنائية بينها و جل الدول التي تحتوي على نسبة مهمة من اليد العاملة المغربية .
   و باستقرائنا لبعض هذه الاتفاقيات نجده تقوم على مجموعة من المبادئ لعل يتصدرها مبدأ المعاملة بالمثل إلى جانب مبدأ تحديد التشريع الواجب التطبيق، و لما كان الهدف من ابرام هذه الاتفاقيات هو البحث عن توفير الحماية الاجتماعية للأجراء المغاربة الذين يشتغلون بالخارج فقد تضمنت العديد من الامتيازات و بيين كيفية الاستفادة من منافع الضمان الاجتماعي، إلا أن جل هذه المنافع لا تكاد تخلو من عيوب و نواقص تشوبها ( المطلب الأول).
   وعلاوة على ما سبق، فقد أبان الواقع العملي على أن تنزيل هذه الاتفاقيات على أرض الواقع تكتنفه مجموعة من الاكراهات تحول دون تنزيل محكم و فعال لبنود هذه الاتفاقيات، مما يجعل حقوق الأجير تكون موضوع للضياع في الكثير من الحالات ( المطلب الثاني).   
المطلب الأول: هشاشة الامتيازات الممنوحة بمقتضى اتفاقيات الضمان الاجتماعي 
     سنقف في هذا المطلب على تبيان النطاق الذي يحكم الاتفاقيات الثنائية للضمان الاجتماعي و كذا تبيان بعض المبادئ التي تقوم عليها وذلك في فقرة أولى، على أن نحاول في فقرة ثانية إبراز مكامن القصور التي تشوب الامتيازات المنصوص عليها في هذه الاتفاقيات. 
الفقرة الأولى : محدودية النطاق، و المبادئ التي تحكم الاتفاقيات الثنائية.  
 أولا: محدودية النطاق.
   إن تحديد نطاق التطبيق يساعد على معرفة الفئات المستفيدة من الاتفاقيات (أ)، وكذا معرفة التشريعات التي تدخل تحت لوائها (ب).
أ‌) النطاق الشخصي. 
   يقصد بالنطاق الشخصي تحديد الأشخاص المستفيدين من الأداءات التي تصرفها صناديق الضمان الاجتماعي لكلا البلدين.
    وبالرجوع إلى الاتفاقيات التائية التي يوجد فيها المغرب كطرف فيها و المبرمة في إطار الضمان الاجتماعي، دائما ما نجدها تحدد نطاق تطبيقها من حيث الأشخاص في الأجير و العامل و أسرته وإن كانت في حالات تختلف فيما بينها في الصياغة .
   وأول ملاحظة يمكن أن اثارتها في هذه الاتفاقيات و من الصياغة التي وردت بها أنها جاءت عامة إذ لم تحدد لنا الأشخاص المقصودين بدقة هل هم العمال الأجراء فقط أم حتى العمال غير الأجراء 
   وفي سبيل تفسير هذه النصوص و تحديد مدلولها يتم الاستعانة بنصوص أخرى ترد في نفس الاتفاقية، و هكذا قد نجد في إطار نصوص الاتفاقية ما يشير إلى أن بنودها تسري فقط على العمال المستقل ، أو الشخص الذي ليس شغالا مأجورا  و ذلك بشكل صريح أو أنه يتم خلق قانون أو تشريع آخر تسري عليه هذه الاتفاقيىة يطبق خصيصا على الشغالين المستقلين، وعموما يفهم أن هذه الاتفاقية تسري كذلك على الأجراء المستقلين.
   و إلى جانب هذه الاتفاقيات التي وسعت في نطاقها الشخصي، هناك اتفاقيات أخرى حصرت هذا النطاق في العمال الأجراء فقط و هو ما يطرح سؤال حول مدى امكانية قبول هذا الاتجاه؟ .
   و للإجابة على هذا التساؤل ذهب البعض  إلى أنه إذا كان منطقيا و من المعقول قصور هذه الاتفاقيات على فئة الأجراء فقط في تاريخ إبرام تلك الاتفاقية إذ الهدف الأساسي من إبرامها هو ضبط النطاق المطبق على مواطني البلدين المعنيين بالاتفاقية  الذين لا يغادرون بلادهم الأصلي سوى من أجل البحث عن العمل، فإن ذلك لم يعد مقبولا إذ نجذ إلى جانب الأجراء فئة أخرى تتجلى في العمال المستقلين و التي أصبحت تعرف تزايدا في عددها بسبب التمييز الذي يتعرضون له في ولوج العمل المأجور.
   وهو ما يعني حسب هذا التوجه ضرورة إعادة النظر في النطاق الشخصي لهذه الاتفاقيات ليشمل حتى العامل المستقل، لكي يتأتى للعامل المغربي المهاجر سواء كان أجيرا أو غير أخير الاستفادة من الضمان الاجتماعي.
ب‌) النطاق السيادي.
       يقصد بتحديد النطاق السيادي، تحديد  التشريعات التي تدخل تحت لواء الاتفاقيات، ومعلوم أن مصطلح التشريع بالمملكة المغربية في هذا الاطار يطلق على القوانين و المراسيم و القرارات و التنظيمات وكافة المقتضيات التشريعية التي تهم فروع الضمان الاجتماعي و الحماية الاجتماعية.
     و لتبيان مدى محدودية تطبيق هذا النطاق على التشريعات المغربية سنقتصر على بعض الاتفاقيات الثنائية التي يوجد المغرب كطرف فيها.
    هكذا وانطلاقا من الاتفاقية المغربية الاسبانية  فإن التشريعات المغربية التي تطبق عليها هذه الاتفاقية تشمل التشريع الخاص بالضمان الاجتماعي و التشريع الخاص بحوادث الشغل و الأمراض المهنية و المقتضيات التشريعية و التنظيمية أو التعاقدية المصادق عليها من طرف السلطة العمومية والمتعلقة بأنظمة خاصة للضمان الاجتماعي مادامت تسري على المأجورين و الذين ينتحلون هذه الصفة، و تتعلق بمخاطر و منح يقرها التشريع الخاص  بنظام الضمان الاجتماعي.
    بينما حصرت هذه الاتفاقية في التشريع الاسباني في المقتضيات القانونية الخاصة بالنظام العام للضمان الاجتماعي و المتعلقة بالأمومة، المرض العادي و المهني، العجز المؤقت عن العمل و الحوادث العادية أو حوادث الشغل ، العجز المؤقت و الدائم، الشيخوخة، الوفاة أو المتوفى عنهم، و إعادة النشاط العضوي و الحيوي للعجزة والمساعدة الاجتماعية و الخدمات الاجتماعية.
   كما تشمل أيضا المقتضيات القانونية المتعلقة بالأنظمة الخاصة المشار إليها و التي تتمثل في المشتغلون في الفلاحة، المشتغلون في البحر، المشتغلون في مناجم الفحم، المشتغلون في السكك الحديدية، أعوان المنازل، المشتغلون المستقلون و الممثلون التجاريون، والطلبة والفنادق و مؤلفي الكتب ومصارعي الثيران.
    أما بالنسبة للاتفاقية المبرمة بين المغرب و تونس ، فقد نص الفصل 2 منها على أن هذه الاتفاقية ستطبق على تشريعات الضمان الاجتماعي لكلا البلدين، ففي ما يخص المغرب ستطبق على قانون المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي و التشريع الخاص بحوادث الشغل والأمراض المهنية و التشريع المتعلق بأرباب العمل و الأجراء في الأشغال الفلاحية والغابوية وملحقاتهما و التشريع الخاص بالتعاقد.
     أما فيما يخص تونس فالأمر يشمل التشريع المتعلق بتنظيم أنظمة الضمان الاجتماعي والتشريع المتعلق بتأسيس نظام جريان العجز و الشيخوخة و البقاء بعد وفاة من يهمه الأمر في الميدان الفلاحي و التشريع المتعلق بتنظيم الضمان في القطاع الفلاحي و الميدان البحارة.
   انطلاقا من هاتين الاتفاقيتين و غيرها، يتبين مدى قصور تطبيق هذه الاتفاقيات على التشريعات المحدثة و لاسيما بالنسبة للمغرب.
   و إذا ما تم الأخذ بأن هذه الاتفاقيات كانت صائبة إذ يمكن أن تطبق أيضا على كل تعديل تشريعي يحمي فرعا جديدا أو يجدد الأنظمة الموجودة إلى مستخدمين جدد، فإن ما يعاب عليها كونها جعلت الاستفادة من التعويضات التشريعية على اتفاق و عدم وجود اعتراض .
   وهو ما يعني أن صدور نصن تنظيمي تشريعي جديد من شأنه حماية فرع جديد للضمن الاجتماعي أو تمديد الأنظمة الموجودة إلى فئات موجودة من المستفيدين لا تسري عليهم الاتفاقية إلا إذا تم ابرام اتفاق بين البلدين المتعاقدين أو لم يصر اعتراض من البلد الذي تغير تشريعه داخل أجل معين.
   هذا و ما يزيد في قصور هذه الاتفاقيات من حيث النطاق السيادي هو انحصار تطبيقها على منافع معينة للضمان الاجتماعي دون أخرى فيما يتعلق بالتعويضات العائلية إذ أن جل الاتفاقيات التي أبرمها المغرب لا تشمل كافة التعويضات الداخلة في نطاق الاعانات العائلية .
   هذا فضلا عن عدم إدراج التعويض عن البطال ضمن النطاق السيادي لبعض الاتفاقيات وإغفال كذلك منافع ذات طابع غير اسهامي اللهم بالنسبة للأجراء الطاعنين في السن والمقيمين في بلاد العمل حيث يستفيد من التعويضات ذات الطابع غير اسهامي، و هو ما يعني أن الأجير المغربي الذي غادر بلاد العمل عائدا إلى وطنه للاستقرار به بعد سنوات العمل في بلد الإقامة سيتوقف حقه في تلك المنافع .   
 ثانيا: المبادئ التي تقوم عليها الاتفاقيات الثنائية.
أ‌) مبدأ تحديد التشريع الواجب التطبيق.
   إن تحديد التشريع الواجب التطبيق له دور مهم، إذ من خلال هذا التحديد يتم استبعاد فكرة خضوع الأجير لتشريعين و كذلك ما يترتب عليه من اختلاف و تنازع قواعد الاسناد.
   و هذا الأمر تنبهت له الاتفاقيات المبرمة في إطار الضمان الاجتماعي، حيث عملت على تحديد التشريع الواجب التطبيق في هذا الإطار.
   و قد استند واضعي هذه الاتفاقيات في تحديدها للقانون الواجب التطبيق على تطبيق التشريع بلد العمل كقاعدة عامة مع ادخال بعض الاستثناءات على هذه القاعدة.
    و في هذا الإطار نحذ معظم الاتفاقيات تنص على أن العمال الذين يزاولون عملهم فوق تراب أحد البلدين المتعاقدين يخضعون للتشريعات للمطبقة في مكان عملهم ، لذلك فإن العامل المغربي سيخضع في هذه الوضعية لتشريع بلد العمل و سيستفيد بالتالي من الضمان الاجتماعي وقف هذا لتشريع. 
  غير أنه ومع ذلك و كما أسلفنا القول فإن قاعدة خضوع الأجير لقانون بلد العمل فيما يخضع الضمتن الاجتماعي ليست مطلقة و إنما ترد عليه استثناءات حيث أشارت هذه الاتفاقيات إلى مجموعة من الحالات التي لا يمكن معها تطبيق قانون بلد العمل خاصة فيما يتعلق بفئة العمال الملحقين و الذين يخضعون لتشريع البلاد التي كان يعمل فيها قبل الالتحاق و ليس بلد العمل مدة الالتحاق .
   و لعل السبب راجع في ذلك حسب الاستاذ محمد بنحساين إلى تفادي التعقيدات الإدارية التي قد تنشأ عن تغيير الانخراط في نظام الضمان الاجتماعي.
   إلى جانب امكانية تخفيض مستوى الحماية الاجتماعية المخولة لهذه الفئة خاصة إذا كانوا يتوفرون على نظام الضمان الاجتماعي أرقى من ذلك المنوفر في البلد الذي التحقوا به.
 إضافة إلى هذه الفئة المستبعدة من القاعدة العامة هناك فئة أخرى و المتمثلة في العاملون في مقاولات النقل أو بإدارة حكومية تابعة لأحد الطرفين المتعاقدين، أو بمركز دبلوماسي أو قنصلي، بحيث أن العاملون في العاملون في مقاولات النقل التابعة لإحدى الدول المتعاقدة يخضعون للتشريع الجاري به العمل في البلدان التي يتواجد فيها المقر الرئيسي للمقاولة، أما بالنسبة للعاملين في إدارة حكومية تابعة لأحد البلدين المتعاقدين و الذين يتم الحاقهم لدى الطرف الأخر فإنهم يخضعون لتشريع الدولة التي تم الحاقهم بها، أما العاملون بمركز دبلوماسي أو قنصلي فيجوز لهم أن يختاروا بين تطبيق التشريع المعمول به في مكان عملهم أو التشريع الجاري به العمل في وطنهم الأصلي.
    وعموما فإذا كان تطبيق قانون بلد العمل على الأجراء في مجال الضمان الاجتماعي له ما يبرره ز ذلك تجنبا للاضطراب و الاختلاف الذي قد يقع بين التشريعين وضمان سرعة الحصول على المنافع التي يخولها التشريع المطبق دون المماطلة في التحديد، فإن ذلك لا يكفي بعدم القول بامكانية الحاق ضرر بحقوق العامل، خاصة إذا كان قانون بلاد العمل أقل فيه من بلد العامل.    
ب‌) مبدأ الإقليمية 
  يشكل هذا المبدأ أهم المبادئ التي تجد صداها في الاتفاقيات التي تبرم في إطار الضمان الاجتماعي و يعني هذا المبدأ في أصله استفادة الأجير من منافع الضمان الاجتماعي في حالة تواجده في إقليم بلد العمل دون أن تمدد إليه عند خروجه منه.
  لكن و تفادي بقاء الأجير المهاجر بدون حماية كان لزاما على الاتفاقيات تليين من هذا المبدأ و السماح بتصدير منافع الضمان الاجتماعي في حالة تواجد مستفيد خارج بلد الإقامة.
    وهذا الأمر الذي نشاهده في الكثير من الاتفاقيات و بدون استثناء و التي حاولت إدخال استثناءات على هذا المبدأ و بالنسبة لكل منافع  ـ باستثناء التعويض عن البطالةـ سواء تعلق الأمر بالتعويضات العائلية  أو معاش الشيخوخة أو معاش الباقين في على الحياة أو معاش الزمانة أو التعويض عن المرض و الأمومة الوفاة والتعويض عن حوادث الشغل و الأمراض المهنية، بل الأكثر من ذلك حاولت هذه الاتفاقيات توسيع النطاق الترابي لهذه الاستثناءات ليشمل حتى إقليم بلد ثالث غير البلدان المتعاقدة و  بالتالي تمتيع الأجير المغربي المهاجر بحماية فعالة و تمكينه من حقوقه.   
الفقرة الثانية : مكامن قصور منافع الضمان الاجتماعي في الاتفاقيات الثنائية.
     تشكل الاستفادة من الضمان الاجتماعي بمقتضى اتفاقيات الضمان الاجتماعي إحدى أهم اهتمامات العامل المغربي المهاجر نظرا لما توفره هذه المؤسسة من حماية اجتماعية للأجير، إلا أن هذه الاتفاقيات تبقى عاجزة عن توفير الحماية الكاملة لهؤلاء الأجراء، خصوصا فيما تعلق بالتعويض عن المرض و الأمومة [1]، و كذا التعويض عن حوادث الشغل و الأمراض المهنية [2]، بالإضافة إلى التعويضات العائلية [3]، و أخيرا التعويضات عن المعاش و الزمانة والشيخوخة والباقين على قيد الحياة [4].
1) مكامن قصور التعويض عن المرض و الأمومة:
لم تتوفق الاتفاقيات الثنائية للضمان اللاجتماعي المبرمة بين المغرب و بلدان الإقامة في تحديد طريقة الاستفادة من الاعانات المقدمة و التعويضات المقدمة بمقتضاها عند إقامة الأجير و أفراد أسرته ببلد العمل.
    فبقراءتنا لكل اتفاقية على حدى نجد أن الاتفاقية المبرمة بين المغرب و ألمانية  لم تشر إلى شروط الاستفادة  من التعويض عن المرض و الأمومة ببلد العمل، و ذلك على غرار الاتفاقية المغربية السويدية التي تقضي كمبدأ عام حسب الفصل 3 منها على معاملة مواطني الطرفين المقيمين فوق التراب الوطني لأي منهما على قدم المساواة فيما يتعلق بتطبيق تشريع الطرف المتعاقد .
   وهو نفس المقتضى الذي سارت عليه الاتفاقية المغربية البرتغالية و التي رغم استفاضتهما في موضوع التعويض عن المرض و الأمومة، إلا أنها لم تذكر الشروط التي يجب توفرها للاستفادة من التعويض أعلاه.
    ويذهب استاذنا محمد بنحساين إلى القول في هذا الإطار، أنه و رغم شح الاتفاقيات  أعلاه في تنظيم كيفية الاستفادة من التعويض عن المرض و التعويض عن الأمومة على التواجد ببلد الإقامة، فذلك لا يستفاد منه سوى رغبة هذه الدول في الاحالة على تشريعها بمنح التعويض، معتبرا حكم ذلك كون الاتفاقيات المبرمة مع كل من فرنسا  و هولندا و اسبانيا و إن نصت على حق العامل و أسرته المقيمة في بلد العمل في الحصول على التعويضات المذكورة، فقد اكتفت بإلزامية التوفر على الشروط المطلوبة و المنصوص عليها في تشريعها دون تحديد شروط أخرى للاستفادة .
    مما تقدم يمكن القول على أنه إذا كانت هذه الاتفاقيات المذكورة سلفا قد وفرت الحماية اللازمة للأجراء المغاربة فيما يخص التعويضات عن المرض و الأمومة بالبلد الذي يزاول به عمله، و على النقيض من ذلك ظلت هذه الاتفاقيات قاصرة عن حماية الأجير المغربي فيما يخص الحق في التعويضات خارج بلد العمل، و ذلك باختلاف الحالات التي سنعرضها تباعا؛
حالة بقاء الأسرة بأرض الوطن.
     إن أول ما يمكن تسجيله بخصوص هده الحالة، هو اختلاف الاتفاقيات التي ابرمها المغرب مع بلدان الإقامة في مجال الضمان الاجتماعي.
  فبالرجوع لكل من الاتفاقية المغربية و الدنماركية وكذا الاتفاقية المغربية السويدية، نجدها لم تتعرض إطلاقا للحماية المقررة لأفراد أسرة العامل الذين يمكثون بأرض الوطن، في حين أقرت باقي الاتفاقيات الحق في هذا التعويض و ذلك إما بتفعيل هذه الاستفادة مباشرة من جهة، كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيتين المبرمتين مع كل من اسبانيا والبرتغال، بالإضافة إلى الاتفاقية المغربية الفرنسية و بذلك بموجب الرسالة المؤرخة بتاريخ 13 دجنبر 1973  القاضية بإلزامية تضمين التشريع المغربي نظام إجباري للتعويض عن المرض و الأمومة، و هو ما سارت عليه الاتفاقية المبرمة مع كل من هولندا و بلجيكا بعد تعديلهما.
   ما يجب إثارة الانتباه إليه في هذا الصدد، أن هذه الاتفاقيات ورغم محاولتها حماية أفراد أسرة العمال الذين ظلوا بأرض الوطن، فإنها تبقى قاصرة، ذلك أنها أغفلت توفير الحماية لفائدة الأسرة المستقرة بأرض الوطن إذا كان معيلها لزال مستقرا ببلد الإقامة قد توقف عن العمل، باستثناء الاتفاقية المغربية البلجيكية.
     ومن جهة أخرى هناك من الاتفاقيات من تعلق الاستفادة من هذه التعويضات على صدور اتفاق بين الطرفين المتعاقدين " الاتفاقية المغربية الألمانية"، ويرجع السبب في ذلك إلى تمسك الدولة بمبدأ المعاملة بالمثل نظرا لعدم توفر المغرب عند إبرام هذه الاتفاقية على نظام التأمين الاجباري عن المرض . 
حالة تحويل الإقامة إلى بلد المنشأ.
     تمنح جل الاتفاقيات الثنائية للأجير أثناء التعافي من المرض الذي أصابه إن كان مقبولا، الاستفادة من التعويض عن المرض و الأمومة و الحق في استمرار هذه الاستفادة عند تحويل إقامتهم إلى تراب بلد المنشأ. و ذلك شرط التوفر على رخصة، هذه الأخيرة التي يمكن ان تكون سببا في حرمان العامل من قضاء فترة المرض بين أفراد العائلته بأرض الوطن بسبب تعسف مؤسسة الانخراط في منح هذه الرخصة.
   زد على ذلك  تقييد هذا الحق بمدة زمنية تحدد إما بمقتضى الرخصة (الاتفاقية المغربية الهولندية)، أو بمقتضى تشريع الدولة المتعاقدة المختصة ( الاتفاقية المغربية البلجيكية)، أو لمدة محددة مع امكانية تمديدها في حالات محددة ( الاتفاقية المغربية الفرنسية).
حالة العودة للاستقرار بأرض الوطن؛
     لم تعطي الاتفاقيات أي اهتمام لحالة العودة إلى أرض الوطن، باستثناء الاتفاقيات المبرمة مع كل من اسبانية و هولندا و البرتغال و فرنسا التي نصت على الحق في الاستفادة من إعانات التأمين عن المرض و الأمومة عند العودة للاستقرار بأرض الوطن .
    ولعل ما يجب الإشارة إليه، أن الاتفاقية المغربية الفرنسية لم تكن تنص على هذا الحق عند ابرامها سنة 1966، الشيء الذي دفع إلى إجراء مفاوضات مع الصندوق الفرنسي من أجل تحيين بنود الاتفاقية و ذلك بتاريخ 22 أكتوبر 2007  .
2) مكامن ضعف التعويض عن حوادث الشغل و الأمراض المهنية.
   لقد خصصت اتفاقيات الضمان الاجتماعي الموقعة مع دول الإقامة فرعا مهما يتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل و اللأمراض المهنية.
     ومما يحسب لهذه الاتفاقيات، أنها تجيز منح هذا التعويض عتى عند مغادرة الأجير لبلد العمل، غير أنها اختلف في المكان الذي يجب نقل الإقامة إليه.
    إذا عملت كل من الاتفاقية المغربية الدنماركية  على تقييد حالة الإقامة بالبلد المتعاقد و ذلك بموجب الفقرة الأولى من الفصل 19، و كذلك الحال نفسه في الاتفاقية المغربية البرتغالية و ذلك بموجب ما نصت عليه المادة 20 منها، و نظن أن هذا فيه هضم لحقوق الجير المغربي بهذه الدولة، فإلى جانب الإصابة التي لحقته يجد نفسه مقيدا بالإقامة فوق تراب بلد العمل .
    وإذا كان الحال كذلك بالنسبة لهذه الاتفاقيات، فإنه وعلى العكس من ذلك نجد باقي الاتفاقيات الأخرى أكثر حماية للأجير المغربي بتنصيصها على منح التعويض سواء كانت الإقامة بتراب البلد الأخر المتعاقد أو أينما كان مقر الإقامة الجديد كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقية المغربية الفرنسية  و المغربية الهولندية  و كذا الاتفاقية المغربية الاسبانية .
    إلا أن ما يؤخذ على هذه الاتفاقيات في ظل الحماية المقررة، أنها اشترطت الحصول على رخصة من لجدى مؤسسة الانخراط قبل نقل الإقامة للاستفادة من التعويض عن المرض المهني أو حادثة الشغل، و هو ما تم تسجيله سلفا بأنه يعتبر نقطة قصور في الحماية الاجتماعية، و في هذه الحماية بالذات( أي التعويض عن الأمراض المهنية و حواث الشغل)خاصة إذا ما علما أن اكثر مؤسسات الانخراط تتعسف في منح هذه الرخصة .
    هذا ناهيك عن حالة تفاقم المرض المهني بعد نقل مقر إقامة الأجير إلى بلد آخر،وتأديته عملا في هذا الأخير كان سببا في الإصابة بالمرض المهني أو تفاقمه، وهو ما يطرح عدة إشكالات من أبرزها اشكالية الاعتراف بالمرض المهني في الدولة الأخيرة التي وقع في ترابها مزاولة العمل المؤدي إلى استفحال المرض، إذا كانت هذه الدولة لا تعترف بذلك المرض كمرض مهني، مع العلم أن أغلب التشريعات تحدد الأمراض التي تدخل في زمرة الأمراض المهنية كما هو الحال بالنسبة للتشريع المغربي.
3) مكامن ضعف التعويضات العائلية؛ 
     نظمت جل الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالضمان الاجتماعي المبرمة مع المغرب وبلد الإقامة تعويضا مهما و يتعلق الأمر بالتعويضات العائلية و خصصت لها نصوصا في صلبها، و ذلك نظرا لأهميتها بالنسبة لليد العاملة ،لما تروم إليه من توفير دخل إضافي للأسرة و تحسين المستوى المعيشي.  
   على الرغم من أهمية هذه التعويضات، إلا أنه و على غرار سابقاتها لا تخلو من قصور سواء إن تعلق الأمر بقصر الاستفادة في بعض الاتفاقيات على بعض العمال النشيطين كما هو الحال بالنسبة للاتفاقية المغربية الهولندية في مادتها 26 و كذا الاتفاقية المغربية الاسبانية  في مادتها 39 بالإضافة إلى الفقرة الأولى من الفصل 9 من الاتفاقية المغربية الألمانية و التي حصرت الاستفادة من التعويضات العائلية في فئة العمال دون أصحاب الحق في المعاش أو رواتب الزمانة أو الشيخوخة أو حادثة الشغل أو المرض المهني و كذلك الأطفال الذين فقدوا آبائهم .
      هذا من جهة و من جهة أخرى تبرز مكامن القصور بالنسبة لهذه التعويضات على مستوى مبلغ التعويضات العائلية حسب إقامة الأطفال و نوجه الحديث هنا نحو الاتفاقية المغربية الهولندية و التي خلقت جدلا واسعا بعد أن قامت الحكومة الهولندية في خرق واضح إلى تقرير التخفيض بنسة 40%  من قيمة التعويضات أبناء المواطنين المغاربة الذين اختاروا العودة إلى المغرب، هذا الخلاف نتج عنه توقيع المغرب و هولندا برتوكول بتاريخ 4 يناير 2016 و الذي يقضي بالتخفيض التدريجي لمبلغ التعويضات العائلية الممنوحة عن الأطفال المستقرين بالمغرب بنسبة تقل عن % 40 إلى غاية 2021 على أن تتوقف الاستفادة ابتداء من يناير 2021 .
    والأخطر من ذلك أن بعض الاتفاقيات حددت عدد الأطفال المستفيدين من التعويضات العائلية، كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقية المغربية الفرنسية  و التي حددت عدد الأطفال الذين يمكن أن يمنح عنهم التعويض في أربعة اطفال، و كذا الاتفاقية المغربية الألمانية التي حددته في 6 أطفال  .
   و لا يسعنا في الأخير إلا أن نشير إلى أن هذه المقتضيات التي تمييز في مدى امكانية الاستفادة من التعويضات العائلية بين ما إذا كان الطفل سينتقل إلى موطن الإقامة و بين ما إذا كان سيبقى في أرض الوطن بالإضافة إلى تحديد عدد الأطفال المستفيدين، لمن شأنها أن تحيد بهذه الاتفاقيات عن المرسوم لها والمتمثل في القضاء على التمييز بين العمال الأجانب و العمال الوطنيين، و معه ندعو إلى مراجعة المقتضيات المتعلقة بتنظيم الاستفادة من التعويضات العائلية لتحقيق الغاية المرجوة من وضعها و المتمثلة كما سبق القول إلى المساواة في المعاملة بين العمال المحليين و الأجانب.
4) مكامن قصور التعويض عن معاشات الزمانة و الشيخوخة و الباقين على قيد الحياة.
     إذا كانت جميع الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالضمان الاجتماعي، قد اجمعت على الحق في التعويض عن معاشات الزمانة و الشيخوخة و الباقين على قيد الحياة، كأحد أهم التعويضات المعترف بها للأجير المغربي المهاجر، فإن هذا الحق وكغيره مما سبق تعتريه مجموعة من النواقص و نجد في مقدمتها، تحديد المجال الترابي المتاح فيه حق الاستفادة من معاش الزمانة ونخص بالذكر هنا الاتفاقيتين المبرمتين مع كل من الدنمارك و البرتغال و اللتين أحجمتا عن الحديث عن امكانية تصدير أي تعويض إلى بلد ثالث، كما اقتصرت الاتفاقية المبرمة مع بلجيكا على النص على هذه الامكانية بالنسبة لمعاشات التقاعد و المتوفى عنهم و حوادث الشغل و الأمراض المهنية، الأمر الذي يلحق الضرر بالأجراء المغاربة الذين تعرضوا لعجز أدى إلى توقفهم عن العمل في هذه البلدان الأخيرة نظرا لكونهم يجدون انفيهم مضطرين اختيار أحد البلدين للاستقرار، مما يفقده حريته في اختيار البلد الذي يرغبون في الإقامة فيه بعد توقفهم عن العمل جراء العجز الذي تعرضوا له و كل ذلك تحت طائلة سقوط الحق في التعويض.   
 المطلب الثاني: الاكراهات التي تعيق الاستفادة.

     لقد نصت العديد من الاتفاقيات الثائية التي أبرمها المغرب مع دول مختلفة على ضرورة التعاون بين أجهزة الضمان الاجتماعي، والهيئات المختصة للبلدين المتعاقدين من أجل تنزيل مقتضيات هذه الاتفاقيات، وتفعيل الحماية الاجتماعية التي تقررها لفائدة الأجراء ، فكل الحقوق المنصوص عليها في هذه الاتفاقيات الثنائية لا يمكن أن تجد طريقها إلى التطبيق إلا بإجراءات مبسطة وإدارة قادرة على مجابهة أعباء هذه الفئة من المؤمنين، مع وضع الطرق الكفيلة بتسوية النزاعات المحتملة التي قد تطرأ بمناسبة تطبيق تلك الإجراءات، وإيجاد الحلول للمشاكل التي قد تقلل من قيمة المعاش عند تحويله إلى العملة الوطنية، أو تأخر أداؤه بسبب أخطاء في الحالة المدنية ، إلا أن تحقيق هذه الأهداف تعترضه العديد من الاكراهات ذات الطبيعة الإدارية (الفقرة الأولى)، وذات الطبيعة  القضائية أيضا (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الاكراهات الإدارية.
    إن تطبيق مقتضيات الاتفاقيات الدولية في مجال الحماية الاجتماعية تعترضه العديد من الصعوبات، والاكرهات في مقدمتها نجد تعقيد الإجراءات المفروضة، وطولها (أولا)، وأيضا عجز السلطات المغربية ممثلة في صندوق الضمان الاجتماعي عن تفعيل هذه الإجراءات (ثانيا).
أولا: التعقيد الإجرائي. 
  يتضح هذا التعقيد بشكل جلي في كثير من الحالات كالحالة مثلا التي يستحق فيها الأجير وأسرته، تعويضا عن المرض عند تواجده ببلد المنشأ (1)، وكذا الحالة التي يلجأ فيها الأجير إلى تقنية الجمع بين المدد قصد الاستفادة من معاش الشيخوخة (2).
1-حالة استحقاق التعويض عن المرض ببلد المنشأ:
    من الممكن أن يوجد الأجير وأسرته في وضعية تجعله مستحقا للتعويض عن المرض والأمومة سواء عند تواجدهم ببلد العمل، أو ببلد المنشأ.
    وإذا كان التواجد بالبلد الأول لا يتطلب إجراءات معقدة، وطويلة لأن المعنيين بالتعويض بحكم استقرارهم بالبلد الذي تنتمي إليه الهيئة التي تصرفه تجعل مراقبتهم سهلة وتتم في مدة قصيرة، فإننا نجد عكس ذلك في حالة تواجد الأجير، وأسرته بأرض الوطن، فإلى جانب الشروط الواجب توفرها لاكتساب الحق في التعويض عن المرض أثناء السفر إلى الخارج، أو قضاء عطلة مؤدى عنها، أو تغيب مأذون به، أو إقامة مؤقتة ببلد المنشأ حسب التعبير المستعمل في كل اتفاقية، يجب للحصول على ذلك التعويض بالنسبة لبعض الاتفاقيات المرور بمسطرة محددة تستلزم توجيه طلبه مرفقا بشهادة العجز عن العمل وكل وثيقة أخرى مثبتة لحالته إلى مؤسسة بلد الإقامة المؤقتة التي تحول الملف بعد مراقبة صاحبه طبيا إلى مؤسسة الانخراط التي تقوم بعد التأكد من توفره على الشروط المطلوبة بإحالة ملفه على المراقبة الطبية لإبداء الرأي، ثم تصدر قراراها بالقبول، أو الرفض وتبلغه إلى المعني بالأمر ومؤسسة محل إقامته المؤقتة، وهي نفس المسطرة التي تكرر عند المطالبة بتمديد الاستفادة من تلك الإعانات.
      فهذه المسطرة إذن تتسم بالطول والتعقيد الذي قد يترتب عليه أحيانا وصول موافقة المؤسسة المنخرط فيها بعد عودة الأجير إلى بلد العمل، كما يعاب على هذه المسطرة تشددها من خلال مطالبتها للأجير المعني حتى يحصل على التعويض المطلوب تقديم ملف إلى مؤسسة بلد الإقامة المؤقتة يتكون من مجموعة من الوثائق والمعلومات التي قد لا تتوفر لدى طالب التعويض (كبطاقة انخراطه في مؤسسة الضمان الاجتماعي الأجنبية، وعنوان المركز الذي يتقاضى فيه التعويضات، وآخر بيان أجرته ... الخ)، بحكم جهله لأهميتها، وحتى وان توفر عليها فان المسطرة تبعث الملف إلى بلد العمل ثم توجيه الموافقة على التعويض، أو رفضه إلى المعني بالأمر ومؤسسة بلد الإقامة المؤقتة، وغالبا ما يعترضه ضعف الأجهزة الإدارية في هذا البلد الأخير، كمؤسسة البريد التي قد ينجم عن تأخرها في مزاولة عملها تأخير وصول موافقة مؤسسة الانخراط الأمر الذي يلحق الضرر بالأجير الذي ينتظرها لبدء الاستفادة من التعويضات المطلوبة .
    ناهيك عن عدم الاعتراف بالمراقبة والخبرة الطبية المغربية المنجزة في هذا الاطار،حيث نجد العديد من المؤسسات الأجنبية للضمان الاجتماعي تشتكي من العدد العائل لشواهد المجاملة المسلمة من طرف الأطباء المغاربة إلى الإجراء المغاربة، مع تسجيل عجز الصندوق الوطني عن القيام بأية مراقبة في هذا الشأن، واقتصار دوره على دور الوسيط فقط، كما يلاحظ في نفس المجال دائما عدم اعتراف الأطباء الخبراء ببلدان العمل بالخبرات الطبية المنجزة من طرف خبراء مغاربة خاصة فيما يتعلق بتحديد نسبة العجز .
2- حالة اللجوء إلى تقنية الجمع بين المدد قصد الاستفادة من معاش الشيخوخة:
    إن اللجوء إلى مسطرة الجمع بين مدد التأمين المقضية في ظل تشريعات البلدين المتعاقدين تفرض إجراء اتصالات بين  هيئة الضمان الاجتماعي في بلد العمل، وهيئة الضمان الاجتماعي في بلد المنشأ قصد معرفة فترات التأمين التي يتوفر عليها الأجير، وهو ما يترتب عليه طول أمد هذه المسطرة، حيث أبرز العمل أن التعاون الإداري يطرح مشكل بسبب الاختلاف الملموس بين أنظمة الضمان الاجتماعي في بلد الإقامة، ونظام الضمان الاجتماعي في بلد المنشأ، حيث يجب الانتظار لعدة شهور للحصول على وثيقة معينة، وهو ما يستلزم البحث عن طرق جديدة للاتصال بين الهيئات المعنية كإحداث نظام معلوماتي يسهل تبادل المعلومات في هذا المجال حفاظا على حقوق الأجير المهاجر من العطل الإداري، وتسجل هذه الحالة أيضا حتى عند تعامل الأجير المغربي المهاجر مع هيئة إدارية مغربية للمطالبة بوثيقة إدارية تستلزمها بعض الصناديق الأجنبية للحصول على الحق المطلوب .
ثانيا: عجز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عن تنزيل مقتضيات الاتفاقيات الدولية.
   لقد التزم المغرب في كل الاتفاقيات الثنائية التي أبرمها في مجال الضمان الاجتماعي برصد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من أجل تطبيق مقتضيات هذه الاتفاقيات خاصة فيما بتعلق بالإجراءات التي يجب على المغرب القيام بها، إلا أن نجاح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في هذه المهمة المسندة إليه تعترضه العديد من المعيقات أهمها التأخر في المصادقة على هذه الاتفاقيات (1)، ونقص المعلومات لدى المستفيدين (2)، ناهيك عن وجود خروقات على مستوى صرف التعويضات المخصصة لفائدة الأجراء المهاجرين، وأسرهم (3).
1-التأخر في المصادقة على الاتفاقيات الدولية:
   إن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المغربي وبحكم تعامله اليومي مع تطبيق مقتضيات الاتفاقيات الدولية الثنائية حول  الضمان الاجتماعي يقف على نقائص هذه الاتفاقيات التي تحول دون التطبيق الحسن لها.
    وفعلا أمام عجز هذه الاتفاقيات عن توفير حماية فعالة وشاملة لحقوق اليد العاملة المهاجرة، فان الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يعمل على اقتراح البديل بتضمين هذه الاتفاقيات مقتضيات جديدة من شأن تطبيقها أن يرقى بالحماية الواجبة لهم ، لكن الملاحظ هو تأخر المغرب في المصادقة على مثل هذه الاتفاقيات المعدلة ما يؤدي إلى ضياع حقوق الأجراء العاملين بالخارج.
2-نقص المعلومات لدى المستفيدين:
   تنص الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالضمان الاجتماعي على جملة من الشروط والإجراءات التي يجب على الأجير المهاجر احترامها حتى يمكنه الحصول على التعويض، أو المعاش، أو الراتب المطلوب، وهذه الإجراءات غالبا ما تكون مجهولة من قبل هذا الأجير، ولعل ما يزيد من حجم جهله، وبالتالي ضياع حقوقه هو غموض مقتضيات هذه الاتفاقيات بسبب كثرة الملحقات المعدلة، أو المضافة إليها، والتي من شأنها أن تجعل تفسيرها عسيرا. فإذا كانت الاتفاقية هي الأداة الرئيسية التي تضمن التنصيص على الحقوق المستحقة بموجبها، فإنها ليست وحدها في هذا المجال، حيث أن تطبيقها يستلزم الاستنجاد بنصوص أخرى تتممها، ويتعلق الأمر بالبرتوكول، والتوافق الإداري، والتوافق الإداري التكميلي، وتبادل الرسائل، ونماذج الاستمارات، مما يؤدي إلى شتات النصوص المنظمة للحماية الاجتماعية، وبالتالي تعذر معرفتها من طرف من وضعت لفائدتهم، وبالطبع ضياع حقوقهم .
    وفي سبيل معالجة هذا المشكل المطروح وإحاطة علم الأجراء المهاجرين بحقوقهم نجد بأن المغرب قد اعتمد مجموعة من الوسائل كإعداد كتيبات تتضمن معلومات مبسطة حول مضمون الاتفاقيات الثنائية، من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووضعها رهن إشارة هؤلاء الأجراء في الأماكن التي يتواجدون فيها بكثرة (كمراكز استقبال الجالية المغربية – مندوبيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ... الخ).
   غير أنه مع ذلك، وبحكم التكوين المعرفي المتواضع لغالبية اليد العاملة المهاجرة، تضل هذه الفئة بحاجة إلى مخاطب يوضح لها حقوقها أكثر من كتيبات تستوجب قراءتها، بحيث يجب تكليف جهاز خاص يربط الاتصال بهم لتنبيههم إلى حقوقهم، ومسطرة الحصول عليها وآجال المطالبة بها، حتى لا يؤدي جهلهم بتلك المقتضيات إلى عدم مطالبتهم بحقوقهم، أوالمطالبة بها بعد انصرام الأجل، لذا يتعين تزويد كل الإدارات ذات الصلة بقضايا الجالية المغربية بالخارج كمندوبيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، والوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، والقنصليات المغربية بالدول التي تعيش بها جالية مغربية كثيفة، بأطر ذي تخصص قانوني بعد تلقيهم لدورات تكوينية عن كيفية تطبيق الاتفاقيات الثنائية حول الضمان الاجتماعي كي يستطيعوا تقديم الإرشاد القانوني اللازم لهؤلاء المواطنين المهاجرين .
3-خروقات على مستوى صرف التعويضات لمستحقيها: 
   لقد وقف تقرير اللجنة النيابية لتقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي  على مجموعة من الاختلالات، والخروقات الإدارية، والمالية التي يعرفها هذا الصندوق، خاصة على مستوى لجوء هذا الأخير إلى تحويل مبالغ التعويضات المخصصة للأجراء المهاجرين، وأفراد أسرهم عن الغرض المخصص لها، واستعمالها في أهداف بعيدة كل البعد عن تلك المسطرة في الاتفاقيات المبرمة، كاستعمالها في توظيف مستخدمين بأعداد هامة، واقتناءات غير قانونية لعدد من الآليات خاصة منها الطبية لفائدة المصحات،وأيضا منح هذه المبالغ على شكل سلفات لبعض الجهات.
   وبذلك ساهم سوء تسيير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الزيادة من العقبات التي تحول دون تمتيع الأجراء المغاربة بالخارج، وأفراد أسرهم من حماية اجتماعية فعلية،الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في هذا الجهاز المكلف بتطبيق الاتفاقيات .
الفقرة الثانية: الاكراهات القضائية.
    لقد نصت الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالضمان الاجتماعي على مسطرة خاصة لأجل تسوية النزاعات التي قد تطرأ بين أجهزة الدول المتعاقدة بمناسبة تطبيقها لمقتضيات الاتفاقيات المبرمة، إلا أن محتوى هذه  المسطرة يبقى غير كافيا وحده لتسوية هذه المنازعات، وفي مقابل ذلك نجدها قد أغفلت بشكل تام تنظيم النزعات التي يمكن أن تثار بين المؤمن، والمؤسسة المعنية بدفع التعويضات، وهذا أمر من شأنه التأثير بشكل سلبي على حقوق المؤمنين، ومن خلال هذه الفقرة سنحاول الوقوف على قصور مسطرة تسوية النزاعات بين أجهزة الدول المتعاقدة (أولا)، وكذا غياب مسطرة التسوية بين المؤمن والمؤسسة المسؤولة على التعويض (ثانيا).
أولا: قصور مسطرة تسوية النزاعات بين الهيئات الإدارية للدول المتعاقدة.
   لقد اختلفت الاتفاقيات الثنائية في التنصيص على موضوع النزاع القابل للتسوية، فمنها من حصره في الخلافات التي تتعلق بتطبيق بنود الاتفاقية ، ومنها من ربطه بتأويلها ، وبالمقابل نجد من وسع النطاق ليشمل الخلافات المرتبطة بالتأويل، والتطبيق معا .
لكن في الواقع نجد بأن مشاكل التطبيق، أو التأويل لا يمكن عزل بعضها عن البعض الآخر، فما يعتبر مشكل تطبيق قد يكون السبب فيه  هو سوء تأويل الاتفاقية، وما يشكل مشكل تأويل قد ينتج عنه عرقلة في التطبيق .
   وبالنسبة لكيفية التسوية فانه وحسب المقتضيات المتنوعة والمختلفة للاتفاقيات الثنائية يمكن أن تتم بواسطة اتفاق مشترك بين السلطات المختصة في البلدين المتعاقدين، وفي حالة تعذر حل الخلاف بهذه الطريقة يتم اللجوء إلى التحكيم بالنسبة للاتفاقيات التي أقرت بهذه الإمكانية، كما هو الحال بالنسبة للاتفاقية المغربية الألمانية التي انفردت بتفصيل الإجراءات الواجب اتباعها  في هذا الصدد –أي في حالة اللجوء إلى مسطرة التحكيم- بحيث يتم تقديم طلب التحكيم من قبل أحد الطرفين المتعاقدين، ثم تعين كل دولة متعاقدة عضوا واحدا داخل أجل شهرين من تقديم الطلب، مع إمكانية اتفاق العضوين على اختيار رئيس من مواطني دولة ثالثة يسمى من طرف حكومتي البلدين المتعاقدين في أجل ثلاثة أشهر، وفي حالة عدم احترام الآجال المذكورة، وفي غياب أي اتفاق آخر، يمكن لكل دولة أن تطلب من رئيس محكمة العدل الدولية إجراء التعيينات اللازمة، على أنه إذا كان رئيس هذه المحكمة من مواطني أحد البلدين المتعاقدين، أو كان له مانع ما، أصبح من اختصاص نائبه إجراء تلك التعيينات، وإذا عاقته نفس العوائق انعقد الاختصاص لأحد أعضاء هذه المحكمة  الذي يأتي مباشرة بعده في السلم الإداري دون أن يكون مواطنا لأحد الطرفين المتعاقدين، وعلى اثر ذلك تتخذ هيئة التحكيم بأغلبية الأصوات قرارها بالاستناد إلى مقتضيات الاتفاقيات المبرمة بين البلدين المتعاقدين والى قواعد القانون الدولي العام ، وقد تتم تسوية هذه النزاعات أيضا عن طريق التفاوض .
     لكن وبالرجوع إلى الواقع العملي نجد بأن تطبيق هذه الاتفاقيات يعتمد فقط على حسن نية الطرفين المتعاقدين دون اللجوء إلى مساطر التسوية المذكورة في الاتفاقيات المبرمة، وبذلك تتعرض حقوق المؤمنين للضياع بسبب خضوعها للإرادة السياسية لبلدان العمل التي توجه القانون لخدمة مصالحها الحيوية على حساب حاجات اليد العاملة المهاجرة في مجال الحماية الاجتماعية، فيكون بذلك من الأحسن إحداث محاكم مختصة في مجال الضمان الاجتماعي تسمح للهيئات الإدارية المكلفة بتطبيق الاتفاقيات باللجوء إليها عند حدوث أي نزاع في التأويل، أو التطبيق .
ثانيا: غياب مسطرة تسوية النزاعات بين المؤمن والمؤسسة المعنية بالتعويض.
     معلوم أن حصول الأجير المهاجر على التعويضات، أو المعاشات، أو الرواتب المخولة له والمنصوص عليها في الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالضمان الاجتماعي قد تعترضه قرارات بالرفض من قبل الهيئات المدينة المعنية بذلك بسبب الطعن في التسجيل في نظام الضمان الاجتماعي لبلد العمل، أو عدم أداء الاشتراكات، أو التأخر في أدائها، أو تكييف حادثة الشغل، أو المرض المهني، وبالرجوع إلى التوافقات الإدارية، لا نعثر ضمن أحكامها على المسطرة الكفيلة بتسوية الخلافات الطارئة بين المؤمن، والهيئة المنازعة في أحقية الاستفادة، بحيث لا يبقى أمام المؤمن سوى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بها، مما يجعله أمام صعوبة أخرى تتجلى في تعدد الهيئات المعنية، وكثرة الآجال الواجب احترامها .

خاتمة:
  
    ختاما لا يسعنا إلا أن نؤكد على الدور الايجابي و الجبار الذي لعبته الدولة المغربية إلى جانب صندوق الضمان الاجتماعي في سبيل تحقيق نوع من الحماية الاجتماعية للأجراء المغاربة الذين يشتغلون خارج التراب الوطني، و ذلك عن طريق قيامها بإبرام مجموعة من الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالضمان الاجتماعي، و التي حاولنا من خلالها الوقوف على إبراز أوجه الحماية المقررة للأجراء المغاربة من خلال دراسة بنودها و كذا تبيان أهم المبادئ التي تحكمها.
      هذا وقد لاحظنا من خلالها هذا البحث كيف أن جل الاتفاقيات التي أبرمتها الدولة المغربي هي تلك التي تربطها مع الدول الأوربية، وهذه مسألة تحتاج إلى التنويه ذلك أن هذه الدول هي الأكثر احتضانا للأجراء المغاربة، غير أن الأمر لا يجب أن تقتصر على تلك الدول التي يتواجد بها أعددا كبيرة من المغاربة بل يتوجب العمل على توفير الحماية لجميع الأجراء المغاربة أينما وجدوا.
    هذا و إذا كان الدولة المغربي من خلال مؤسسة صندوق الضمان الاجتماعي قد استطاعت أن يتجاوز الفراغ التشريعي ولو نسبيا، إلا أنه وجب الإشارة إلى ان الأمر لازال يحاج إلى المزيد من العمل من أجل رفع سقف الحماية الاجتماعية و ذلك عن طريق تجاوز بعض السياسات التي تبقى عائقا أمام تحقيق هذا الهدف، و منها المصادقة على بعض الاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية.
    هذا على المستوى الدولي، أما على المستوى الوطني فإن مؤسسة الصندوق الضمان الاجتماعي مطالب بتجويد النشاط الإداري لوكالاته عن طريق تبني سياسة تقريب الإدارة من الأجراء المغاربة الذين يتواجدون بالخارج و تبسيط المساطر الإدارية و تزويدهم بجميع المعلومات الضرورية المتعلقة بكيفية استفادتهم من امتيازات صندوق الضمان الاجتماعي في بلد الإقامة.
     كما يمكن القول أيضا، على أن الحماية الاجتماعية المقررة للأجراء المغاربة بالخارج بمقتضى الاتفاقيات التي أبرمتها الدولة المغربي في ميدان الضمان الاجتماعي لا ترقى إلى مستوى التطلعات و لا تتوفر على الحد الأدنى للحماية الازمة، ذلك أنها لا تتضمن سوى بعض الامتياز فقط و لا تشمل كل الامتيازات التي يقدمها صندوق الضمان الاجتماعي، الشيء الذي نرى معه ضرورة العمل على تجويد مقتضيات هذه الاتفاقيات وكذا تحسين بنودها و جعلها تتماشى مع ما يشهده العامل من  تغيرات و لاسيما على المستوى الاقتصادي.
   و يمكن القول كآخر ملاحظة، أن الاعتماد على مؤسسة صندوق الضمان الاجتماعي لوحده غير كافي  لتحقيق الحماية المرجوة للأجراء المغاربة بالخارج، بل أن الأمر يقتضي انخراط جل الفاعلين و المهتمين بميدان الشغل من مؤسسات عمومية و شبه عمومية وكذا المجتمع المدني و تضافر الجهود في سبيل الرفع من مستوى الحماية الاجتماعية لفئة لطالما أكدت الدولة المغربية على الدور الحيوي الذي تلعبه في تنشيط الاقتصاد الوطني.
    عموما و بغض النظر عن ما يقدمه صندوق الضمان الاجتماعية من امتيازات للأجير، تبقى الحماية الاجتماعية مطلبا لامحيد عنه لكل شخص بصفته انسان و باعتباره عضوا في المجتمع، فما بالك إذا كان هذا الشخص حلقة ذات فعالية في المجتمع كالأجير. 




لائحة المراجع:
بنحساين محمد ، الحماية الاجتماعية للأجراء المغاربة بأوربا، طبعة 2019،عدد صفحات الكتاب 171 .
بنحساين محمد ، القانون الاجتماعي،الجزء الثاني، طبعة 2016، عدد صفحات الكتاب 142 .
بلقاسم أحمد، محاضرات في مادة الحريات العامة كلية العلوم الحقوق والسياسة، جامعة سطيف، السنة الجامعية 2015/2016.
عبود موسى، دروس في القانون الاجتماعي، الطبعة الثالثة، عدد صفحات الكتاب 305.


الرسائل
البقالي الطاهري عثمان، الحماية الاجتماعية للجراء المغاربة بفرنسا، رسالة لنيل دبلوم الماستر، كلية الحقوق طنجة، السنة الجامعية1015/2016، عدد 
صفحات الرسالة 58.



تعليقات

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أنت الزائر رقم